انتخابات رئاسية : ديسمبر
السؤال الأساسي الذي يشوب العملية الانتخابية في جنوب السودان في عام ٢٠٢٦ هو ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أصلاً أم لا. وقد قام السياسيون في جنوب السودان بتأجيل الانتخابات المقررة في أعوام ٢٠١٥ و٢٠١٨ و٢٠٢٠ و٢٠٢٢ و٢٠٢٤، مشيرين إلى محدودية القدرة المالية واللوجستية لإجراء انتخابات وطنية في هذا البلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه ١٢ مليون نسمة. كما أنهم لم يتمكنوا من تنفيذ المتطلبات الأساسية لإجراء الانتخابات، مثل التعداد السكاني، وسجل الناخبين (الذي تمت مراجعته آخر مرة في عام ٢٠٠٨)، وإصدار دستور دائم. ونتيجة لذلك، ظل الرئيس سلفا كير في السلطة منذ عام ٢٠٠٩ على الرغم من فوزه في انتخابات واحدة فقط، أجريت قبل استقلال جنوب السودان في عام ٢٠١١.
عدم إجراء الانتخابات يعكس محدودية الإرادة السياسية لدى السياسيين الحاليين في جنوب السودان.
إن عدم إجراء الانتخابات يعكس محدودية الإرادة السياسية لدى السياسيين الحاليين في جنوب السودان. فليس لديهم حافز كبير لتنظيم انتخابات قد تغير الوضع الراهن، مما يمكنهم من الاحتفاظ بمناصبهم إلى أجل غير مسمى – وما يصاحب ذلك من هيبة ونفوذ ومزايا مالية.
ويشير هذا التقاعس أيضًا إلى شعور هؤلاء القادة السياسيين بأنهم سيفلتون من العقاب الذي تستوجبه حاجتهم الدورية إلى الحصول على تفويض شعبي، ما يؤكد شرعية استمرارهم في السلطة. ويعكس عدم التزام هؤلاء السياسيين بتحقيق هذا الحد الأدنى من الحكم الديمقراطي، بدوره، عجز مواطني جنوب السودان أو الشركاء الدوليين عن ممارسة ضغط كافٍ لإرساء هذا المعيار في أحدث دولة إفريقية.
وقد كانت تكلفة هذا الجمود السياسي على استقرار جنوب السودان وتنميته باهظة. فبدلاً من اللجوء إلى المنتديات السياسية لحل الخلافات، اعتمد ساسة جنوب السودان لفترة طويلة على الميليشيات الخاصة. وقد أبقى ذلك جنوب السودان في حالة صراع شبه دائم منذ عام ٢٠١٣، أسفر عن مقتل ما يقدر بنحو ٤٠٠ ألف شخص. وخلال معظم العقد الماضي، ظل جنوب السودان يحمل وصمة العار المتمثلة في كون نسبة أعلى من مواطنيه مصنفين كلاجئين (نحو الثلث) مقارنةً بأي دولة أخرى في إفريقيا. وهذا يؤكد استمرار هذا العنف والخوف الدائم الذي يولده، على الرغم من عمليات وقف إطلاق النار الدورية واتفاقيات السلام.
وتحتل جنوب السودان المرتبة الأخيرة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، وقد ارتفعت معدلات وفيات الأطفال الرضع فيها منذ الاستقلال لتصل إلى ٧٢ حالة وفاة لكل ١٠٠٠ طفل يولدون أحياءً، وهو أعلى معدل في إفريقيا. وقد استمرت هذه المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية للغاية على الرغم من أن البلاد أدرَّت ما يُقدّر بنحو ١.٦ مليار دولار أمريكي من عائدات النفط سنويًا في المتوسط خلال معظم العقد الماضي. كما تحتل جنوب السودان المرتبة ١٨٠ (من بين ١٨٠ دولة) في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

امرأة تسير على طريق متآكل ومتضرر من الفيضانات بالقرب من بنتيو في ولاية الوحدة بجنوب السودان، يوم ٦ نوفمبر ٢٠٢٥.
(صورة من: وكالة فرانس برس/ريان كوب)
وقد تفاقمت هذه الضغوط الاقتصادية بسبب الصراع المدمر في السودان المجاور، الذي يمر عبره معظم نفط جنوب السودان. ونتيجةً للصراع في السودان، استقبل جنوب السودان ما يُقدّر بنحو ٨٧٠ ألف عائد جنوب سوداني كانوا قد لجأوا إلى السودان، بالإضافة إلى ٤٢١ ألف لاجئ سوداني.
وجاء تأجيل الانتخابات المتكرر في سياق أوسع يتمثل في ضآلة الجهود التي تبذلها حكومة كير لبناء مؤسسات أو معايير ديمقراطية، على الرغم من أن حق تقرير المصير كان أحد المبررات الرئيسية لانفصال جنوب السودان عن السودان عام ٢٠١١.
وأبسط هذه المبادئ هو تقاسم السلطة. فقد دأب كير على تضييق الخناق على المعارضة السياسية، لا سيما خصمه اللدود رياك مشار. وكان الاثنان من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) خلال نضال جنوب السودان الذي استمر على مدار عقود من أجل الاستقلال. إلا أن انعدام الثقة وعدم الرغبة في التوصل إلى حلول وسط بينهما أديا إلى اندلاع الصراع عام ٢٠١٣، ما اضطر مشار إلى الفرار من البلاد. وبموجب اتفاقية السلام المُجددة عام ٢٠١٨، أصبح مشار النائب الأول للرئيس (إلى جانب أربعة نواب آخرين) عام ٢٠٢٠. وعمليًا، مارس كير حكما انفراديا إلى حد كبير بمشاركة محدودة من أحزاب المعارضة. وأسفرت الاشتباكات بين قوات الأمن الموالية لمشار وقوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان (SSPDF) في ولاية أعالي النيل في مارس ٢٠٢٥ عن قيام كير بوضع مشار وكبار حلفائه قيد الإقامة الجبرية، ووجهت إليهم تهم الخيانة والقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة (SPLM-IO) بزعامة مشار، توجد ستة أحزاب أو ائتلافات معارضة أخرى، بعضها مسلح.

شباب من جنوب السودان يلوحون بالعلم وهم يهتفون للمنتخب الوطني لكرة السلة. (صورة من: وكالة فرانس برس)
رغم أن اتفاقية السلام لعام ٢٠١٨ نصّت على إعادة تشكيل جمعية تشريعية وطنية انتقالية (TNLA) ثنائية المجلس، إلا أنه لم يُعَدْ تعيين أعضائها إلا في عام ٢٠٢١. ومنذ ذلك الحين، لم تجتمع تلك الجمعية التشريعية إلا من وقت لآخر، على الرغم من أن هذا الفرع من الحكومة كان يُفترض أن يكون مساويًا للسلطة التنفيذية. ويُظهر تكوين أعضاء تلك الجمعية البالغ عددهم ٥٥٠ عضوًا تحيزًا واضحًا لصالح الحزب الحاكم، وذلك في إطار نظام الحصص.
أما السلطة القضائية، فهي عمومًا لا تعمل كهيئة مستقلة، إذ تخضع باستمرار لتأثير السلطة التنفيذية، وتواجه نقصًا في القضاة، وتُسهّل الاستهداف والاعتقال التعسفيين للأفراد لأسباب سياسية. وقد أدت المخاوف بشأن إرث الإفلات من العقاب في جنوب السودان، وقدرة المحاكم على توفير العدالة النزيهة، إلى النص على إنشاء محكمة مشتركة بين الاتحاد الإفريقي وجنوب السودان في اتفاقيتي السلام لعامي ٢٠١٥ و٢٠١٨. إلا أن هذه المحكمة المشتركة لم تُفعّل قط، بسبب الجهود المتواصلة التي تبذلها سلطات جنوب السودان لعرقلة إنشائها.
وعلى الرغم من هذه المعوقات، اتخذ القضاء بعض الخطوات الأولية نحو الإصلاح. ففي عام ٢٠٢٥، اعتمد القضاء خريطة طريق لبناء نظام قضائي أكثر مصداقية وفعالية واستقلالية. وتشمل هذه الخريطة إصلاحات في إدارة المحاكم، والتدريب القضائي، والمعايير الأخلاقية، والشفافية، وإتاحة الخدمات القانونية للجمهور. كما أقرت المحكمة العليا وأنهت مدونة سلوك قضائية جديدة، واضعةً قواعد أخلاقية أوضح تهدف إلى تحسين الكفاءة المهنية للقضاة وتعزيز المساءلة الداخلية. والجدير بالذكر أنه في أبريل ٢٠٢٥، تعاونت المحكمة مع الأمم المتحدة لنشر محاكم متنقلة لمعالجة الجرائم المرتبطة بالنزاعات في ولاية الوحدة، التي تفتقر إلى البنية التحتية القضائية الرسمية. وقد أصدرت هذه المحاكم أحكامًا في قضايا ظلت معلقة لسنوات، مما أسهم في الحد من تراكم القضايا وأظهر توسعًا في الوجود القضائي خارج المدن الرئيسية.
وفي المقابل، تعاني اللجنة الوطنية للانتخابات (NEC) من نقص التمويل المستمر، مما حدّ من قدرة أعضائها على السفر والقيام بخطوات التخطيط اللازمة قبل الانتخابات.
لقد أُعيد تشكيل اللجنة الوطنية للانتخابات في ديسمبر ٢٠٢٣ (قبل الانتخابات التي كان من المقرر عقدها في عام ٢٠٢٤). وتضم اللجنة ممثلين عن الأحزاب السياسية الرئيسية، والمجتمع المدني، وقطاع الأعمال، وجهات معنية أخرى، وقد زارت اللجنة جميع ولايات جنوب السودان العشر، وعقدت دورات تدريبية، وشاركت في جهود تشاورية. إلا أنها تعاني من نقص التمويل المزمن، مما حدّ من قدرة أعضائها على السفر والقيام بخطوات التخطيط اللازمة قبل الانتخابات.
وانعكاسًا لحالة عدم اليقين التي تسبق انتخابات ٢٠٢٦، أعلنت الحكومة في ديسمبر ٢٠٢٥ أن انتخابات ٢٠٢٦ ستُجرى دون اشتراط إجراء تعداد سكاني أو وضع دستور دائم. وقد رفض العديد من منظمات المجتمع المدني هذا الإعلان، بسبب المخاوف من أن تكون الانتخابات ذات المعايير الفضفاضة بذلك الشكل عرضةً للتجاوزات. كما أن انتخاب رئيس ونواب بصلاحيات غير محددة بدقة سيؤدي إلى خلافات مستمرة في التفسير، وإفساح المجال أمام اغتصاب السلطة، وأزمات مؤسسية متأصلة.
ويعكس قطاع الأمن في جنوب السودان التشرذم السياسي الذي تعاني منه البلاد، فهو أقرب إلى مجموعة من الميليشيات التي تخدم مصالح جهات سياسية محددة، بدلاً من كونه قوة أمنية موحدة مهمتها حماية جميع المواطنين بشكل عادل. ويُنظر إلى الجهات الأمنية لجنوب السودان على نطاق واسع على أنها جهات عدوانية ومسؤولة عن الهجمات المتكررة على المواطنين.
يُعاني جنوب السودان من محدودية المساحة المتاحة لوسائل الإعلام المستقلة للعمل. فقد مارست وكالة الأمن القومي (جهاز الاستخبارات في البلاد) الترهيب والاعتقال والقتل بحق صحفيين وشخصيات من قادة المجتمع المدني. ومع ذلك، يواصل بعض الصحفيين الجنوب سودانيين تغطية الأحداث وإطلاع الجمهور على التطورات الرئيسية في البلاد.
كما أن ضعف الدولة في جنوب السودان، ومحدودية شرعية قيادتها السياسية، وثروتها من النفط، وموقعها الإستراتيجي الذي يربط شمال ووسط وشرق إفريقيا، كلها عوامل جعلت منها هدفًا للنفوذ الأجنبي. وقد قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة قرضًا بقيمة ١٣ مليار دولار أمريكي يُسدد على مدى ٢٠ عامًا، وخلال هذه الفترة ستتمكن الإمارات من شراء النفط من جنوب السودان بأسعار مخفضة. (يمثل قطاع النفط ٩٠% من إيرادات الحكومة). ويُعادل هذا القرض ضعف الناتج المحلي الإجمالي لجنوب السودان وخمسة أضعاف ديونها الخارجية، مما يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على السداد. وبالمثل، تساهم الصين مساهمة رئيسية في شركتي النفط الجنوب سودانيتين، وهما شركة دار بتروليوم التشغيلية وشركة غريتر بايونير التشغيلية.
يُقال إن جنوب السودان يسمح أيضًا لدولة الإمارات العربية المتحدة بشحن الأسلحة عبر أراضيه، وذلك في إطار دعم الإمارات للعمليات العسكرية لقوات الدعم السريع في غرب وجنوب السودان.
والجهات الفاعلة الرئيسية التي تُطالب بإجراء انتخابات نزيهة في جنوب السودان عام ٢٠٢٦ هم قادة المجتمع المدني والمواطنون العاديون، وهم الأكثر تهميشًا بسبب التأجيلات المتكررة، ويعانون من سوء الإدارة وانعدام الأمن والتخلف. وسيعتمد تحقيق تقدم حقيقي على زيادة مشاركة هؤلاء المواطنين في العملية الانتخابية. وتؤدي المنظمات الدينية والجمعيات المهنية والهيئات المدنية دورًا بالغ الأهمية في وضع قواعد غير حزبية، وبناء توافق عام وزخم جماعي لمثل هذه الإصلاحات، إذا ما أراد جنوب السودان الخروج من دوامة التدهور الحالية.
لذا، ينبغي تقييم التقدم المُحرز عام ٢٠٢٦ ليس فقط من خلال إجراء الانتخابات أو عدمه، بل أيضًا بمدى مشاركة منظمات المجتمع المدني، والتقدم المُحرز نحو إرساء أسس انتخابات نزيهة، بما في ذلك دستور متفق عليه، ولجنة انتخابات ممولة تمويلاً كاملاً، وقضاء مستقل فعليًا.
جنوب السودان: مقاومة إجراء الانتخابات تُكرّس حالة انعدام الأمن