تقرير أبحاث ٦ : الارتقاء بالاحتراف العسكري في أفريقيا

Print Friendly, PDF & Email

عراقيل الاحتراف العسكري في أفريقيا

Africa Center for Strategic Studies

٩ يونيو ٢٠٢٠

إرث الاستعمار

إن نقطة البداية البسيطة لأسباب وكيفية تدخل الجيوش الأفريقية بشكل معتاد في المسائل الاقتصادية والسياسية تكمن في التاريخ الاستعماري للقارة. فالقوات الأفريقية التي بنيت على مخلفات الجيوش الاستعمارية ورثت بذور التحيز العرقي التي زرعها المستعمرون، ما مهد الطريق للنقص في المهنية. في العادة، شكلت الأقليات العرقية الجزء الأكبر من القوات المسلحة الاستعمارية من أجل موازنة العرقيات الأقوى تاريخيًا. على سبيل المثال، كانت أقلية التوتسي في بوروندي ورواندا والأقليات الرعوية من الأجزاء الشمالية من غانا ونيجيريا وتوغو هي السائدة في القوات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية قبل الاستقلال. وكان لهذا التحيز العرقي الأولي تأثير كبير على تشكيل جيوش ما بعد الاستقلال.

كما أن موجة الانقلابات التي اكتسحت بعض أنظمة ما بعد الاستقلال الأولى، في كثير من الحالات، قام بها ضباط عسكريون من هذه الأقليات العرقية. ومن بين القادة البارزين لهذا النمط إتيان إياديما في توغو عام ١٩٦٣، وسانجولي إيميزانا في بوركينا فاسو (التي كانت تعرف آنذاك باسم فولتا العليا) عام ١٩٦٦، وجين بيدل بوكاسا في جمهورية أفريقيا الوسطى عام ١٩٦٦، وعيدي أمين دادا في أوغندا عام 1971. وإدراكًا منها بأن موقعها المميز سيهدده حكم الأغلبية، لم يكن لدى هذه الجيوش التي كانت تقودها الأقليات أي حافز لدعم التغيير الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، لم تر القوات الاستعمارية فائدة تذكر في إعداد الضباط الأفارقة من أجل انتقال الحكم. وبالتالي، كان هناك عدد قليل من الضباط المؤهلين لتولي القيادة.

وبعد مرور خمسين عامًا، لم يعد الإرث الاستعماري يبرر الافتقار المستمر إلى الاحترافية لدى العديد من الجيوش الأفريقية. بعد الاستقلال، أتيحت للحكومات التي تقودها أفريقيا الفرصة لبناء جيوش وطنية جديدة وحقيقية من خلال إصلاح البنى والعمليات وطرق التجنيد الموروثة من المستعمرين. بدلاً من ذلك، اختار قادة ما بعد الاستقلال استغلال هذه العيوب لإنشاء أنظمة سياسية استبدادية وصيانتها. وقد أدى ذلك إلى عدد لا يحصى من التحديات المستمرة للاحتراف العسكري في أفريقيا، بما في ذلك التحيزات العرقية والقبلية في القوات المسلحة والتسييس المستمر للجيش وضعف القدرة التشغيلية.

التحيزات العرقية والقبلية

لا يمكن لجيش منظم وقائم على التحيزات العرقية أو القبلية الدفاع عن الجمهورية، أو حتى عن السكان. بدلاً من ذلك، يمكنه فقط الدفاع عن مصالح مجموعته العرقية أو قبيلته. ويفتقر مثل هذا الجيش إلى الثقة الشعبية والشرعية والكفاءة للقوة القائمة على الجدارة، ما يعيق فاعليته. ولسوء الحظ، لا تزال بنية القوات المسلحة في العديد من البلدان الأفريقية قائمة على اعتبارات عرقية أو قبلية.

على سبيل المثال، هناك انقسام للجيش في موريتانيا بسبب التصدعات العرقية والإثنية والثقافية. وفي حين كان العرب البربر يشكلون أقلية لا تتجاوز ثلث السكان، سيطر هؤلاء على المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية منذ الاستقلال.٢٦ وبعد مزاعم عن مؤامرة انقلاب مشحونة عرقيًّا في عام ١٩٨٧ هددت هذه الهيمنة، بدأ الرئيس الموريتاني ولد الطايع بـ “تعريب” شبه كامل لجميع فروع القوات المسلحة الموريتانية.

وبالمثل، في تشاد، لا يعكس التكوين العرقي للقوات المسلحة البلد ككل. فقد سيطرت الزغاوة -المجموعة العرقية التي ينتمي إليها الرئيس إدريس ديبي- على الجيش والمواقع العسكرية الرئيسية منذ عام ١٩٩٠ عندما طردت حسين حبري من السلطة. وتقدم القوات المسلحة التوغولية مثالاً آخر. سبعة وسبعون في المئة من الأفراد العسكريين يأتون من الجزء الشمالي من البلاد. فيما ٧٠ في المئة من هؤلاء هم من القبايين وهي المجموعة الإثنية نفسها التي ينتمي إليها الرئيس، بمن فيهم ٤٢ في المئة من قرية بيا التي ينحدر منها الرئيس. ومع ذلك، تشكل جماعة كابي الإثنية نسبة ١٠-١٢ في المئة فقط من سكان توغو. ٢٧

إن تجنيد الجيش أفرادًا من عرق الرئيس هو –غالبًا- ممارسة شائعة للغاية في أفريقيا. ويكون الضباط تحت سلسلة القيادة هذه موالين للرئيس أكثر من الدستور. وهذه الممارسة تقوض المعايير المهنية للقوات المسلحة بينما تحرض القوات المسلحة بعضها ضد بعض على أساس عرقي. وظهرت هذه الانقسامات بوضوح في القتال الداخلي الذي اندلع فجأة في جنوب السودان في ديسمبر ٢٠١٣، ما أعاق بشدة عملية بناء مؤسسات القطاع الأمني في أحدث دولة في أفريقيا.

من ناحية أخرى، يمكن للجيش الذي يتألف من قوات من المجتمعات في جميع أنحاء البلاد أن ينشئ أساسًا قويًا يمكن بناء دولة ديمقراطية عليه. كما أن القوة المتنوعة تخلق ظروفًا مواتية لإضفاء الطابع الاحترافي على القوات المسلحة، حيث من المرجح أن تجري الترقيات على أساس الجدارة وليس على أساس عرقي معين. وسيكون الولاء للأمة ككل بدلاً من العرق. مثال على ذلك الجيش التنزاني المتنوع عرقيًّا والذي هو أكثر تمثيلاً لمجتمعه.

عندما قام المسؤولون البريطانيون بإنشاء الكتيبة السادسة من “بنادق الملك الأفريقية” في نهاية الحرب العالمية الأولى، تم تجنيد الجنود من أعراق منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد، بمن في ذلك أولئك الذين خدموا عدو جيش بريطانيا العظمى، جيش المستعمر الألماني. ولم تهيمن أية إثنية على الجيش.٢٨ بما أن تنزانيا (التي كانت تُعرف آنذاك باسم تنجانيقا) لم تكن مناسبة للتنمية الاستعمارية، لم يبذل البريطانيون أي جهد لإنشاء جيش متحيز عرقيًا للسيطرة على أغلبية السكان.٢٩ وعند الاستقلال، تعمد أول رئيس تنجانيقي، يوليوس نيريري، المحافظة على مسافة مهنية من الجيش، حيث رأى فيه أداة للقمع الاستعماري. وفقط في عام ١٩٦٤، عندما اتحدت تنجانيقا وزنجبار لتشكل جمهورية تنزانيا، واجه الجيش تمردًا من قبل الجنود المطالبين برواتب أفضل وإقالة الضباط البريطانيين، فكان أن غيّر نيريري رأيه، إذ أقدم على تأسيس هوية وطنية في أوساط الجيش من أجل منع أي تدخل سياسي مزعزع للاستقرار.٣٠

وعلى نحو مماثل، في زامبيا (التي كانت تعرف آنذاك باسم روديسيا الشمالية). جند البريطانيون عسكريين من مجموعات عرقية مختلفة من جميع أنحاء البلاد وبالتالي، لم يسيطر أي عرق على جيش زامبيا. وعلى عكس نيريري، تعاون رئيس زامبيا الأول، كينيث كاوندا، عن كثب مع الضباط الأفارقة في الجيش الاستعماري في البداية، لذلك كان هناك قدر قليل من عدم الثقة بين القادة المدنيين والعسكريين عندما حصلت زامبيا على الاستقلال في عام ١٩٦٤. وبعد الاستقلال واصل كاوندا “الموازنة القبلية” على جميع مستويات الحكومة تقديرًا للزخم الذي لعبته الاختلالات العرقية في التدخلات العسكرية في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ٣١

ومن الأمثلة الحديثة على الجيش الذي أصبح أكثر شمولية قوة الدفاع الوطني لجنوب أفريقيا. ونجحت جهود متضافرة ما بعد فترة الفصل العنصري في إنشاء جيش من الرجال والنساء من قوات متحاربة سابقًا. وتحت ضغط الانتقال السياسي، حوّل الجيش نفسه ليمثل ويعكس تنوع شعب جنوب أفريقيا. وتواصل الحكومة والجيش والمجتمع المدني الحفاظ على الشمولية كجزء من سياسة الأمن القومي لجنوب أفريقيا.

كما تعهد الجيش البوروندي بعملية تكامل واسعة قائمة على الحصص وفرض سن تقاعد كي تعكس السكان البورونديين في الجيش بشكل أفضل. وبموجب الالتزام القوي من قيادته، بدأ الجيش دمج معظم المتمردين الهوتو في الجيش الذي تهيمن عليه إثنية التوتسي بعد وقف إطلاق النار في عام ٢٠٠٣. وقد حدث هذا الاندماج على جميع مستويات الجيش باستقدام جنود من خلفيات عرقية متنوعة كي يعيشوا ويتدربوا معًا في الثكنات نفسها. خلال ٣ سنوات، تقلص التحيز القائم على أساس عرقي في الجيش بشكل كبير، لا سيما بين الجنود من صغار السن. وأصبح الجيش البوروندي أكثر تجانسًا نتيجة لذلك.٣٢

تسييس الجيش وعسكرة السياسة

إن تسييس الجيش هو قمة جبل جليدي تخفي في كثير من الأحيان منافسة نشطة بين السياسيين للحصول على الدعم العسكري. في الواقع، كانت أغلب الانقلابات العسكرية التي حدثت في أفريقيا مدعومة من قبل أطراف سياسية متنافسة. وعندما تكون هذه المصالح المتنافسة داخل الحزب الحاكم، فمن المرجح أن تحدث “ثورات في القصر” بدلاً من التعطيل التام للنظام الدستوري. في توغو، على سبيل المثال، بعد وفاة الرئيس غناسينغبي إياديما في عام ٢٠٠٥، حل نجله فاوري غناسينغبي محله بعد أن منع الجنرالات الموالون لوالده زعيم الجمعية الوطنية من تولي منصبه على النحو المنصوص عليه في الدستور.

وستحاول بعض الأحزاب السياسية إيجاد متعاطفين مع الجيش بهدف اغتصاب السلطة في أوقات الأزمات. وخير دلالة على ذلك الانقلاب العسكري في عام ٢٠١٢ في مالي الذي حصل على دعم العديد من الأحزاب السياسية على الرغم من إدانة المجتمع الدولي بالإجماع. وفي ساحل العاج واصل الموالون للرئيس السابق لوران غباغبو حشد دعم المتعاطفين مع الجيش للمساعدة في تقويض سلطة الرئيس الحسن واتارا.٣٣ هذه الأفكار السياسية العسكرية تمثل أمثلة على موضوع أفريقي مشترك، وهو اعتماد الجهات الفاعلة السياسية على الجيش بدلاً من الجماهير لدعم قضاياها.

وفي حين أن المستويات العالية من الاحتراف العسكري في بعض الدول الغربية ألغت الفكرة القائلة بأنه يمكن للسياسيين تخريب الأجهزة الأمنية، لا يزال التلاعب بالولاءات العسكرية شائعًا في العديد من البلدان الأفريقية. لكن هذا النهج غير مستقر بطبيعته. وقد تجلى هذا بوضوح في تجربة ساحل العاج. عندما تولى فيليكس هوفويت بوانيي، أول رئيس لساحل العاج، السيطرة على القطاع الأمني، إذ قام بتقليص حجمه وإنشاء ميليشيا موالية للحزب تتألف في معظمها من “الباولي” (مجموعة هوفويت بوانيي العرقية). علاوة على ذلك، مارس شكلاً من أشكال التأليب بالجيش من خلال دفع رواتب عالية للضباط العسكريين مقارنة بالموظفين المدنيين الآخرين، ومن خلال منح كبار الضباط مناصب في الحزب وغير ذلك من الامتيازات. ٣٤

كما مهدت هذه الرعاية غير المتوازنة الطريق أمام دوامة عدم الاستقرار السياسي اللاحقة وانعدام الأمن في ساحل العاج. بعد وفاة هوفويت بوانيي في عام ١٩٩٣، استولى رئيس الجمعية الوطنية، هنري كونان بيدي، على السلطة بمساعدة عدد قليل ٣٥من ضباط الدرك الذين ينتمون إلى قبيلته. بموجب هذا العمل -الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ السياسي والدستوري لساحل العاج- عكرت قوات الأمن صورتها المتسمة بالوحدة والحياد منذ ذلك الحين، وأصبحت عاملاً رئيسيًّا في اللعبة السياسية. وقام رجال الدرك أنفسهم، الذين تم تجهيزهم وتدريبهم في وقت لاحق بشكل أفضل من بقية القوات المسلحة لساحل العاج، بتثبيت لوران غباغبو لاحقًا رئيسًا للدولة عقب انتخابات عام ٢٠٠٠ في حين أعلن منافسه المرشح الرئاسي، الجنرال الراحل روبرت غوي، نفسه الفائز. وكما هو الحال في البلدان الأفريقية الأخرى، أصبح عناصر من قوات الأمن هم صانعي الملوك.
إن نتيجة هذه العلاقات هي جيش أكثر حزبية وأقل احترافًا في أعين المجتمع، ما يقلل الاحترام للمؤسسة، وهو أمر ضروري من أجل تجنيد جنود ملتزمين ومنضبطين وموهوبين. وفي الوقت نفسه، تبيّن الحاجة إلى الدعم العسكري، سبب استعداد السياسيين غالبًا للتساهل، وفي بعض الأحيان، تشجيع القادة العسكريين على استخدام الموارد العامة للإثراء الشخصي. لا يمثل الواقع تسييسًا للجيش فحسب، بل يمثل أيضًا “عسكرة” للسياسة.

الحرس الرئاسي: قوة خلف الأنظمة غير الديمقراطية

الحرس الرئاسي هو عنصر سياسي رئيسي في أفريقيا. في بوركينا فاسو، خلال تمرد عام ٢٠١١، كان الوضع تحت السيطرة نسبيًا حتى انضم أعضاء الحرس الرئاسي إلى الاحتجاجات. ونتيجة لذلك، اضطر رئيس الوزراء تيرتيوس زونجو وحكومته إلى التنحي، وتم طرد القادة العسكريين الرئيسيين، كما تمت تلبية مطالب بعض المتمردين. وبهذه التنازلات، قاد الحرس الرئاسي نفسه نهاية حاسمة ونهائية لتمرد الجنود.

توضح الأحداث في بوركينا فاسو الدور الهام الذي يلعبه حرس الرئاسة في أمن النظام واستقراره في أفريقيا. في الممارسة العملية، يعمل الحرس الرئاسي كقوة موازنة لبقية الجيش وكثيرًا ما يلعب دورًا رئيسيًا في مختلف الانقلابات والانقلابات المضادة التي بدأت في أفريقيا. في موريتانيا، مثلاً، تولى الرئيس اللواء ولد عبد العزيز قيادة كتيبة الأمن الرئاسية المستقلة لأكثر من 15 عامًا. وفي الوقت الذي تولى قيادة وحدة النخبة تلك في الجيش الموريتاني، أحبط محاولتين للانقلاب قبل أن يقود واحدة بنفسه في عام ٢٠٠٨. ففي العديد من الجيوش الأفريقية، إذًا، تكون السلطة الحقيقية في أيدي الحرس الرئاسي.

عادة ما يكون أفراد حرس الرئاسة في أفريقيا مجهزين ومدربين ومراقبين بشكل أفضل من بقية القوات المسلحة. ونظرًا لأن معظم حرس الرئاسة الأفارقة لا يخضعون لسيطرة وزارة الدفاع أو رئيس أركان القوات المسلحة، فإنهم يعتبرون عادة جيشًا داخل الجيش. وغالبًا ما يتم تسييسهم بدرجة عالية، وفي بعض الحالات يكون لديهم تحيز عرقي قوي. بمعنى آخر، يحملون كل العلامات الفارقة لعدم الاحترافية التي تشاهد في القوات المسلحة الأفريقية، ومع ذلك فهي في وضع أكثر نفوذًا بالنسبة إلى السلطة السياسية. على هذا النحو، فإن ضباط الحرس الرئاسي هم -وبصورة منتظمة- مصدر سوء إدارة قطاع الأمن. ومن أجل الحفاظ على دورهم المحوري، فإن هؤلاء الحراس الرئاسيين لديهم حساسية لأي إصلاح يمكن أن يشكك في هذا الامتياز. لأنهم يخضعون لسيطرة رئيس الدولة مباشرة ، فهم يعملون كرادع لبقية القوات المسلحة.

نجح بعض حرس الرئاسة في مساعدة الأنظمة الأفريقية للحفاظ على السلطة من خلال القمع. في انتخابات عام ٢٠١٢ في جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، كان الحرس الرئاسي نشطًا في جمع شخصيات المعارضة الرئيسية، ما ينفي شرعية هذه العملية. في النهاية، فإن الحكم من خلال القمع لن يدوم. وبدلاً من ذلك، تقوض هذه الإجراءات الثقة العامة والنزاهة المؤسساتية حتى تصل الحكومة إلى نقطة الانهيار. كان هذا هو حال النيجر. في عام ١٩٩٩، اغتيل الرئيس إبراهيم بير ماينسارا على يد حرسه الرئاسي فتولى قائد الحرس، الرائد داوود ملام وانكي، السيطرة على البلاد. جلبت الانتخابات للسلطة في وقت لاحق من ذلك العام مامادو تانجا الذي كان ضابطًا في الجيش مدعومًا من الحرس الرئاسي. بعد عشر سنوات، في عام ٢٠١٠، تم عزل الرئيس تانجا من السلطة عن طريق الانقلاب الذي قاده ليس الحرس الرئاسي، الذي بقي مخلصًا، بل الرائد في الجيش سالو جيبو بعد تعليق تانجا عمل الحكومة وإعلانه أنه سيحكم بمرسوم.

واعترافًا منهم بأن سلطتهم تعتمد على رئيس الدولة، فإن العديد من حرس الرئاسة في أفريقيا موالون، ومخلصون لقضية المستفيد بصرف النظر عن دستورية تصرفاته، وبالتالي، فهم عمومًا لا يشعرون بأنهم مقيدون بتلك القيود القانونية المفروضة على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة تحت ستار الأمن القومي. في غينيا، على سبيل المثال، انتهت الاحتجاجات المعارضة في عام ٢٠٠٩ ضد زعيم المجلس العسكري، الكابتن موسى داديس كامارا، في حمام دم بعد أن فتح أفراد من حرسه الرئاسي النار على متظاهرين غير مسلحين في الاستاد الوطني خلال تظاهراتهم. وقُتل جراء ذلك ١٥٧ شخصًا على الأقل وجُرح حوالي ١٢٠٠ واغتصبت ٦٣امرأة على الأقل.٣٦ وفي وقت لاحق، وقع كامارا نفسه ضحية لمحاولة اغتيال قام بها رئيس حرسه الرئاسي.

القدرة التشغيلية الضعيفة: علامة على وجود جيوش دون مهمة

تعتمد الاحترافية العسكرية على أنظمة ومراقبة ومهارات وموارد فعالة للقيام بمهام ناجحة. وضعف القدرة التشغيلية لدى العديد من الجيوش الأفريقية يجعلها غير قادرة على لعب هذا الدور، ما يثير التشكيك في جدواها. إن هزيمة الجيش المالي من قبل المتمردين الإسلاميين في عام ٢٠١٢ والاستيلاء على غوما من قبل مجموعة التمرد M٢٣ في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي لم يعد لها وجود في العام نفسه وتفكك جيش جمهورية أفريقيا الوسطى في أعقاب الاستيلاء السريع والسهل على بانغي من قبل قوات المتمردين “سيليكا” في عام ٢٠١٣، كل هذه الأحداث تبين القدرة التشغيلية الضعيفة للعديد من جيوش جنوب الصحراء الكبرى. ومن بين العديد من الأسباب التي يمكن أن تفسر عدم الكفاءة هذه، تبرز القضايا التالية: الثغرات في سلسلة القيادة التي تؤدي إلى عدم الانضباط والإشراف غير الكافي على ممارسات الشراء وضعف إدارة الموارد، ما يقلل من القدرة التشغيلية وضعف الروح المعنوية ومهمة غير متوازنة أو عفا عليها الزمن.

الثغرات في سلسلة القيادة التي تؤدي إلى عدم الانضباط: سلسلة القيادة الوظيفية هي شرط أساسي لأي مؤسسة عسكرية. ذلك أنها تعكس القيادة الجيدة والانضباط وتعزز المساءلة. لسوء الحظ، ترسم التقارير الواردة من جميع أنحاء أفريقيا صورة لجيوش لا يبدو أن يدها اليسرى تعرف ما الذي تفعله اليد اليمنى. يبدو أن هناك صلة ضعيفة جدًا بين السياسة العسكرية الرسمية وبين أفعال ضباط الصف والجنود. أحد الأمثلة على ذلك هو في شمال نيجيريا حيث اتهم المدنيون الجنود الذين يقاتلون متمردي بوكو حرام بارتكاب فظائع.٣٧ كان كبار القادة العسكريين النيجيريين في حيرة من أمرهم لشرح هذه الأفعال على الرغم من أنهم يعبرون بوضوح عن فهمهم للآثار المحتملة التي يمكن أن تسببها تدابير الأمن الداخلي المشددة بين السكان المحليين.

تخضع الأغلبية العظمى من الجيوش الأفريقية لنصوص تشريعية، مثل لوائح أركان القوات المسلحة وقانون التأديب العسكري. ومع ذلك، فإن الأعمال الإجرامية المرتكبة خارج الثكنات غالبًا ما تمر دون عقاب بسبب الثغرات في سلسلة القيادة وفي البروتوكول التأديبي، ما يديم الرأي القائل بأن الأفراد العسكريين في بعض البلدان هم فوق القانون. وهذا يعزز ثقافة الإفلات من العقاب التي تقوض سمعة الجيش وتعزز السلوك المنحرف بين القوات.

في ساحل العاج بقيادة لوران غباغبو، لم تُفرض أي عقوبات على مرتكبي مذبحة في عام ٢٠٠٠، عندما قتل جنود موالون لغباغبو مدنيين كانوا يطعنون بشرعية انتخابه. ولم يكن هناك أي مساءلة عن عمليات القتل خلال مسيرات الاحتجاج في عام ٢٠٠٤. وبعد أن تولى نظام الحسن واتارا الديمقراطي السلطة في عام ٢٠١١، تم توجيه الاتهام لهؤلاء الجناة. ومع ذلك، فإن حكومة واتارا لم تفعل بعد الشيء نفسه مع الجنود الخاضعين لسلطتها الذين ارتكبوا جرائم في أعقاب انتخابات ٢٠١٠ المختلف عليها.

هناك استثناءات، بالطبع. في بنين، ألقت السلطة القضائية في عدة مناسبات القبض على رجال المباحث من الدرك والشرطة بتهمة الحبس غير المشروع وإساءة معاملة المواطنين المحتجزين لدى الشرطة. في بوركينا فاسو، تم طرد ٥٦٦ جنديًا من الجيش متورطين في تمرد عام ٢٠١١، وتم اعتقال ٢١٧ من قادة التمرد ومحاكمتهم من قبل محكمة عسكرية وسجنهم بتهمة خيانة الأمانة للقوات المسلحة والتسبب في اضطراب عام وانتهاك حقوق الإنسان.٣٨

عدم كفاية الرقابة على ممارسات الشراء: مظهر آخر واضح للحكم الضعيف في الجيش هو شراء اللوازم والمعدات للقوات. تشكو معظم القوات من أن الحياة في الثكنات صعبة وأن الرواتب ضئيلة ولا فرصة للتقدم أو الترقية. ومع ذلك، فإن ميزانية الجيش أكبر من ميزانيات معظم الخدمات العامة الأخرى. في نيجيريا، على سبيل المثال، ظلت العديد من الثكنات العسكرية في وضع خطير حتى بعد أن أنفق الجيش ما يقرب من ١٢ مليار نيرة (عملة نيجيريا أي حوالي ٧٦ مليون دولار) على إصلاح الثكنات والبناء.٣٩ وقد أدت ادعاءات الفساد في شراء معدات أدنى وتحويل الإمدادات إلى بوكو حرام إلى مزيد من انحسار الثقة في الجيش النيجيري وتهديد فاعليته مباشرة.

إن أحد أسباب هذا الانفصام هو أن إدارات الشؤون المالية والإدارية في وزارات الدفاع هي مجرد قذائف فارغة، فهي تعاني من نقص شديد في الموظفين وتفتقر إلى الوسائل اللازمة للقيام بواجباتها. كما أن الرقابة الضعيفة الناتجة عن عقود المشتريات من قبل وزارات الدفاع تمكّن الفساد على نطاق واسع وتخلق مشاكل في الحكم. على سبيل المثال، في تقييمها لـ ١٩ قطاع دفاع أفريقيًّا وجدت منظمة الشفافية الدولية أن ٩٠ بالمئة منها سجلت في الخُمس الأدنى للشفافية في عملية المشتريات (انظر الجدول ٢). وحتى إذا تم احترام الإجراءات الإدارية في المراحل المبكرة من عملية وضع الميزانية، فإن الأمر لا يتطلب سوى ختم “سري” على هذه المناقصات لتجاوز التدقيق من قبل وحدات المالية العامة. وبينما قد تحتاج بعض المشتريات العسكرية إلى السرية لأغراض الأمن القومي، فإن الأغلبية العظمى لا تحتاج إلى ذلك.

Table 2: Anti-Corruption Scores for Select Categories of Defense Sector Financial and Administrative Affairs in 19 African Countries, 2013

Source: Transparency International Defence and Security Programme, 2013.40 Anti-corruption grades are based on an assessment of scores across 77 categories of corruption risk.

في بلدان عديدة، تتركز قرارات المشتريات العسكرية في أيدي حفنة سياسية وعسكرية متحالفة مع شركاء تجاريين محليين وأجانب، ما يجعل عمليات الشراء مهمة للمصالح التجارية أو إثراء الذات أكثر من تلبية الاحتياجات الحقيقية للقوات المسلحة. في عام ٢٠٠، بلغت رشوة الإمدادات العسكرية في أفريقيا حوالي  في المئة من قيمة العقد. ٤١

وعادة ما تؤدي الرشوة والعمولات إلى شراء معدات باهظة الثمن معطوبة أو غير مناسبة لاحتياجات القوات المسلحة. في أوغندا، على سبيل المثال، كان الجنرال سالم صالح وهو محارب عصابات سابق والأخ غير الشقيق ليوري موسيفيني متورطًا في عدد من فضائح التمويل السياسي قبل أن يتنحى عن منصبه كمستشار أول للرئيس لشؤون الدفاع والأمن.٤٢ ولم يقتصر الأمر على شراء حصص غذائية فاسدة للجيش الأوغندي فحسب، بل أيضًا دبابات T-٥٤ وT-٥٥ وطائرات هليكوبتر وطائرات مقاتلة من طراز ميج ٢١، كانت معطوبة وغير صالحة للاستخدام. بالمقابل، تلقت الرتب العليا للجيش سيلا ثابتًا من الرشاوى.٤٣ في عام ٢٠١٠، قُبض على وزير الدفاع السابق في الكاميرون ريمي زي ميكا بتهمة اختلاس أموال للعمليات العسكرية ومشاريع التنمية خلال فترة رئاسته من ٢٠٠٤ إلى ٢٠٠٩. في عام ٢٠١٣، كانت حكومة رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما لا تزال تحاول النظر في الأدلة على الرشوة من حزمة مشتريات عسكرية باهظة الثمن من شركات دفاع دولية يعود تاريخها إلى عام ١٩٩٩ بتكلفة تزيد على ٦ مليارات دولار.

وقد وضعت بعض البلدان الأفريقية آليات للإشراف على الحكم الداخلي. على سبيل المثال، أنشأت أغلبية البلدان الناطقة بالفرنسية في أفريقيا إدارات لخدمات التفتيش التابعة لوزارات الدفاع التابعة لها. هذه الإدارة مكلفة برصد وتقديم المشورة واختبار القدرة التشغيلية للقوات المسلحة وكذلك تطبيق سياسة الحكومة. والمهام الرئيسية للإدارة هي:

  • مراقبة تطبيق القوانين والقواعد والقرارات الوزارية المتعلقة بالجوانب الإدارية والمالية للقوات المسلحة؛
  • المشاركة في تطوير وتنفيذ العقيدة العسكرية؛
  • تقديم تقارير دورية عن إدارة الموارد البشرية والمعدات والتدريب واحتياجات القوات المسلحة.

وفي حين إن إدارات خدمات التفتيش هي ابتكار مؤسساتي مهم، إلا إذا تم تمكينها، فإنه يمكن التحايل عليها بسهولة. هذا هو الحال عندما تكون خدمات التفتيش موجودة فقط لوضع المخطط التنظيمي لوزارة الدفاع، وهي ببساطة تعيينات نهائية لرؤساء أركان القوات المسلحة السابقة أو كبار ضباط الجيش. علاوة على ذلك، تخلق هذه التعيينات تضاربًا للمصالح حيث قد ينتهي الأمر بالمفتش العام إلى مراجعة العقود والقرارات التي يتخذها هو أو أحد زملائه المقربين بينما كان في منصبه. في بعض الحالات، تؤثر العلاقات الشخصية أو التي تتسم بالغرور على نهج عمل المفتش العام، ما يقوض حيادية وظيفة الرقابة هذه ويؤثر سلبًا على القدرة التشغيلية.

من النادر جدًا في أفريقيا أن يستجوب الفرع التشريعي أو المجتمع المدني القادة العسكريين أو يشاركا في عمليات الشراء غير الشفافة. عادة، لا تشرف البرلمانات على الإنفاق العسكري لأن هناك اعتقادًا- في معظم البلدان الأفريقية- بأن مثل هذا التحقيق سيضر بالأمن القومي. على سبيل المثال، في حين احتلت كينيا المرتبة السابعة بين البلدان الأفريقية من حيث نفقات ميزانية الدفاع٤٤ في عام ٢٠١٢ فقط سنّت قانونًا يلزم الجيش بتقديم تقاريره المالية إلى البرلمان والرئيس وإخضاع حساباته للتدقيق.

هناك بلدان أفريقية أخرى تتمتع بمستويات مرتفعة نسبيًا من الإنفاق العسكري، مثل أنجولا والجزائر، ولديها قوانين سارية تتطلب الإشراف البرلماني. لكن يبدو أنها لا تطبقها بشكل كامل. في غانا، هناك ثلاث لجان مختارة من برلمانها تتعامل مع القضايا الأمنية والقضايا العسكرية ويرأس لجنة الدفاع والداخلية زعيم أكبر حزب معارض. ومن شأن ذلك أن يوفر مراجعة لعملية وضع ميزانية الأمن. ومع ذلك، على ما يبدو عندما تثار مسألة الميزانية، عادة ما يتم الاعتراض على مناقشتها لأسباب تتعلق بـ “الأمن القومي” ولا يتم الطعن بها.٤٥ في توغو، تم تخصيص ٢٥ في المئة من الميزانية عادة للجيش، ما يجعلها أكبر بند مصاريف في البلاد، لكنه أيضًا القطاع الأقل رقابة خارجيًا.٤٦ في بلدان أخرى، مثل نيجيريا، تكون الميزانية التشغيلية لامركزية، حيث يكون للجيش والبحرية والقوات الجوية سلطة التعامل مع عقود المشتريات الخاصة للنفقات المتكررة.٤٧ وهذا يجعل الرقابة أكثر صعوبة ويخلق المزيد من الفرص لاختلاس الأموال.

في المقابل، تتمتع بلدان مثل السنغال وجنوب أفريقيا بهيكل إداري مدني قوي داخل وزارتي الدفاع يسهم في الحصول على درجة عالية نسبيًا من المساءلة عن استخدام الأموال.٤٨ أما في بوركينا فاسو وجنوب أفريقيا وأوغندا، فتوجد رقابة تشريعية نشطة في صياغة ميزانيات وزارات الدفاع لاعتمادها. وفي دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وأوغندا، عندما يؤثر التدخل السياسي على الوزارة أو الهيئة التشريعية، هناك مجتمع مدني فاعل يدعو الحكومة إلى القيام بمهامها. في عام ٢٠١٢، على سبيل المثال، تم فصل وزيرة الدفاع والمحاربين القدامى بجنوب أفريقيا لينديوي سيسولو بعد أن أصبح الجمهور على علم بتفاوضها سرًا على صفقة بقيمة ٢ مليار راند (حوالي ٢٠٠ مليون دولار) لشراء طائرات تجارية للرئيس زوما ونائب الرئيس موتلانثي.

ضعف إدارة الموارد يقلل من القدرة التشغيلية: إن الإدارة الفعالة لا غنى عنها لنجاح العمليات العسكرية. يمكن لجهاز سليم فقط أن يسخر الموارد الضئيلة للجيوش الأفريقية ويطبقها بأقصى قدر من التأثير. إن نقص هذه القدرة واضح على جميع المستويات في إدارة الجيوش الأفريقية للموارد البشرية والمعدات واللوجستيات.

أدت الترقيات القائمة على أسس سياسية وعرقية إلى قلب هرم المسؤولية في بعض البلدان. قبل الأزمة، كان للجيش المالي أكثر من ٥٠ جنرالا لحوالي ٢٠٬٠٠٠ جندي: جنرال لكل ٤٠٠ رجل.٤٩ وكان للنيجر المجاور جنرال واحد لكل ٦٠٠ رجل. على نقيض ذلك، يتكون لواء المشاة النموذجي لحلف الناتو من حوالي ٣٢٠٠ إلى ٥٥٠٠ جندي ويديره عادة قائد عميد (بريغادير) واحد أو ضابط أرفع. عدم التناسب هذا بين كبار الضباط وضباط الصف مشكلة شائعة لدى الجيوش الأفريقية. فعادة، كلما زادت نسبة الضباط إلى الجنود المجندين يصبح الجيش أقل فاعلية. وتضخم عدد الضباط هو مصدر عدم الكفاءة في القيادة ويشكل عبئًا إضافيًا على ميزانية الدفاع. كما أنه مصدر عدم انضباط في قمة التسلسل الهرمي لأنه يولد الإحباط بين كبار القادة الذين يرون الترقيات من نصيب ضباط آخرين لأسباب سياسية وليست مهنية، وأحيانًا يعصون أو يرفضون تلقي أوامر من جنرالات جدد، ما يزرع بذور العصيان والانضباط بين القوات. وهذا يؤدي إلى تعطيل سلسلة القيادة. على سبيل المثال، أثار الارتفاع السريع في صفوف نجل الرئيس موسيفيني العميد موهوزي كاينيروغابا (الذي أصبح قائدًا لقيادة النخبة الخاصة في أوغندا بعد ١٥ عامًا فقط في الخدمة) شبح المحسوبية والألاعيب السياسية. ٥٠

كما ساهم سوء حالة المعدات المتجددة وقلة الصيانة في الشلل المتزايد للقوات المسلحة في أفريقيا. فالقوات الجوية الأفريقية بدأت تختفي وقد أدى قطع الروابط بين الشركاء الدوليين والصيانة الفنية المكلفة إلى جانب الانخفاض الحاد في مخصصات ميزانية الدفاع إلى توقف عمل معظم الطائرات. كما أن الأغلبية العظمى من الطيارين المقاتلين تركت الجيش. وأصبح المحظوظون طيارين تجاريين لرحلات كبار الشخصيات التي أصبحت المهمة الرئيسية للقوات الجوية جنوب الصحراء الكبرى. وبالمثل، فإن جنوب أفريقيا وحدها لا تزال لديها قدرات بحرية تشغيلية “للمياه الزرقاء”. هذا ليس بالضرورة تطورًا سلبيًا لأن التهديد البحري الرئيسي الذي يواجه في كل حالة تقريبًا هو في المياه الساحلية والمناطق الاقتصادية الخالصة (المياه على بعد ٢٠٠ ميل بحري من الساحل).٥١ الغابون، وكينيا، والسنغال وتنزانيا تعاني من مشاكل التقادم والصيانة. ٥٢

وقد حدث انخفاض كبير في القدرة التشغيلية للعديد من جيوش بلدان جنوب الصحراء الكبرى في التسعينيات بعد نهاية الحرب الباردة. والأمر لا يدور حول أن جيوش ما قبل الحرب الباردة كانت أكثر مهنية، بل كان لديها على الأقل الحد الأدنى من المعدات القابلة للخدمة. تم التبرع بهذه المعدات وصيانتها من خلال اتفاقيات تعاون سخية هدفت إلى دعم التنافس المستمر بين القوى العظمى. وبدا أن النهاية المفاجئة للحرب الباردة كانت بمثابة ناقوس الموت لهذه النفقات. وبسبب حرمانها من التكتلات الغربية والشرقية على حد سواء، لم تستطع جيوش بلدان جنوب الصحراء الحفاظ على وهم التماسك والقدرة التشغيلية. في بوركينا فاسو، على سبيل المثال، أشار عام ١٩٩٩ إلى نهاية برامج التعاون الألمانية التي عززت فيلق المهندسين. كما أدى سحب التمويل إلى تقييد أنشطة هذه الوحدة بشكل كبير، ما ساهم بشكل كبير في فتح المناطق الريفية في بوركينا فاسو من خلال بناء الطرق وإعادة تأهيلها.

كما كشف الصراع في مالي في الفترة ٢٠١٢-٢٠١٣ عن التحديات الإدارية داخل جيوش الدول المجاورة. وعلى الرغم من تجربتها السابقة في مجال حفظ السلام في المنطقة، لم تتمكن الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا من إنشاء ونشر قوة يعتمد عليها لوقف التقدم السريع للقوات الجهادية. وبعد التحقق من تردد الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في نشر قواتها الاحتياطية، تدخلت فرنسا، مدعومة بقرار مجلس الأمن الدولي ٢٠٨٥، لاستعادة السلامة الإقليمية لمالي ومنع الجماعات المسلحة من تعزيز مواقعها في المنطقة. والحقيقة هي أن قلة من دول غرب أفريقيا لديها القدرة اللوجستية على نشر كتيبة من تلقاء نفسها دون دعم خارجي.

ليست كل الجيوش الأفريقية في مثل هذه الحالة من التقادم. مثلا تمتلك القوات المسلحة في الجزائر والمغرب وجنوب أفريقيا عمومًا جيوشًا فعالة ومدربة جيدًا وقادرة على القيام بعمليات مشتركة (عابرة للجيوش) وتقديم الدعم اللوجستي للنزاع. ويتعين أن يعود الفضل أيضًا إلى القوات المسلحة لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميسوم) التي تتألف من وحدات من أوغندا وبوروندي وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وسيراليون. واستعادت بعثة الاتحاد الأفريقي النظام وأشاعت الاستقرار في المدن الرئيسية في الصومال.٥٣ وبالمثل، تمكنت القوات المسلحة التشادية في غضون مهلة قصيرة من نشر ٢٠٠٠ جندي تم تدريبهم على قتال الصحراء لمنازلة قوات إسلامية متشددة في منطقة أدرار دي إيفوغاس في شمال مالي خلال التدخل المتعدد الجنسيات لعام ٢٠١٢. وبالمثل، لعبت القوات النيجيرية دورًا حاسمًا في جهود تحقيق الاستقرار في شمال مالي. وكان لواء تدخل قوة الأمم المتحدة وقوامه ٣٠٠٠ جندي في جمهورية الكونغو الديمقراطية -المؤلّف من قوات من جنوب أفريقيا وتنزانيا وملاوي- عاملاً حاسمًا في هزيمة متمردي حركة ٢٣ آذار/ مارس عام ٢٠١٣ الذين شكلوا قوة كبيرة لزعزعة الاستقرار في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ضعف الروح المعنوية: تنتج الجيوش الأفريقية ضباطًا ذوي كفاءة عالية ومهنيين مدربين في أفضل المدارس العسكرية في العالم. لسوء الحظ، هؤلاء الضباط غير قادرين على النجاح في بيئة لا تُكافأ فيها الكفاءة والمهنية بالترقيات أو رفع الرتب. إن التباطؤ الناتج والركود المهني ينالان من حوافز الضباط المدربين تدريبًا جيدًا والأكفاء. وهذا يرسي الأساس لتكرار التمرد بين القوات التي تشعر بعدم وجود توجيه والتخلي عنها من قبل قادتهم العسكريين والمدنيين.

كما أن الروح المعنوية أمر حيوي في ساحة المعركة. ومن دونها، تصبح الهزيمة أمرًا لا مفر منه. كان عدم وجود دافع للقوات المالية للقتال ضد الإسلاميين المتشددين والانفصاليين الطوارق في ٢٠١٢-٢٠١٣ يعود إلى مجموعة من العوامل، بما في ذلك عدم الاستقرار السياسي الناجم عن الانقلاب العسكري ومزاعم الفساد على المستويات العليا في سلسلة القيادة والحد الأدنى للدعم والمعدات للقوات على الخطوط الأمامية المكلفة بمكافحة المتشددين.

كما يقوض الفساد في أعلى سلسلة القيادة الروح المعنوية للقوات، ما يجعلهم عرضة بشكل متزايد للمشاركة في الممارسات الفاسدة أو التغاضي عنها.٥٤ في البلدان التي تكون فيها الأجور تافهة وغير منتظمة، يتم إغراء الجنود بابتزاز الأموال أو المدفوعات العينية من السكان المحليين أو اللجوء إلى الأنشطة الرامية إلى الربح للبقاء على قيد الحياة. وكما هو الحال في الجيوش الأفريقية الأخرى، يُزعم أن ضباط الجيش المالي “جندوا” عددًا أكبر من القوات مما كان موجودًا بالفعل في الوقت الذي كانوا يبيعون فيه المعدات ويحصلون على الراتب المدفوع لمثل قوات “الأشباح” تلك.٥٥ في بعض الأحيان وبكل بساطة يقوم الجنود بالإضراب. في جمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، ربطت التقارير الإعلامية عدم دفع القوات المنتشرة في المنطقة الشرقية بالفساد في المستويات العليا. هذه القوات، بدورها، فشلت في حماية القرى من توغل جيش الرب للمقاومة في أوغندا. ٥٦

ويكون معظم الجنود المتهورين مستعدين للغاية للجوء إلى الجريمة المنظمة. ففي أعقاب عدم دفع الرواتب في التسعينيات، بدأ كبار ضباط جيش غينيا-بيساو في بيع الأسلحة والألغام الأرضية إلى متمردي كازامانس قبل اللجوء إلى تهريب المخدرات. وترتبط الاضطرابات السياسية والعسكرية وعمليات الثأر الدموية التي أدت إلى زعزعة الاستقرار في غينيا-بيساو منذ ذلك الحين ارتباطًا وثيقًا بالاتجار بالمخدرات الذي أفسد الحكومة والقيادة العسكرية. ٥٧

وقد تسللت عصابات الاتجار بالمخدرات نفسها إلى بلدان غرب أفريقيا الأخرى وأضعفت قيادتها السياسية والعسكرية بطرق أخرى. حاول الزعيم المالي السابق، أمادو توماني توري، استغلال عصابات الجريمة المنظمة كوسيلة لممارسة النفوذ في الشمال.٥٨ فعرض على أفراد من جيش مالي تقديم قيادة مؤقتة للجيوش الخاصة للمهربين.٥٩ حتى إنها تورطت مباشرة في الاشتباكات بين العصابات الإجرامية.٦٠ وعلى الرغم من أن ذلك لا يشكل ذريعة لإسقاط حكومة منتخبة ديمقراطيًّا، فإن علاقاتها بالجريمة المنظمة أدت إلى فقدان النظام المالي شرعيته وتآكل فاعليته.

مهمة منحرفة أو عفا عليها الزمن: افترض ستانيسلاف أندرييفسكي أن “أي جيش غير منشغل، في غياب أي تهديد خارجي كي يتصدى له، يرجح أكثر أن يتدخل في السياسة الداخلية.”٦١ وينطبق ذلك على أفريقيا، حيث تعاني كثير من الجيوش من نقص الرؤية والهدف الواضح. وبهذه الطريقة، يعد المخزون المتقادم والقوات غير المتحمسة غير الجاهزة مجرد أعراض لتحد أكبر. لا يوجد سوى عدد محدود من البلدان الأفريقية التي لديها استراتيجية محددة للأمن القومي. تعد الاستراتيجية الأمنية ضرورية لمواءمة الموارد مع الأولويات الوطنية المحددة وتنسيق جهود مؤسسات متعددة، وتعزيز فهم مشترك لأدوار جميع فروع الحكومة ومسؤولياتها لصالح الدولة والجيش والمجتمع المدني.

بالنسبة لأغلبية القوات المسلحة الأفريقية، لا تزال العقيدة التوجيهية للجيش قائمة على الدفاع عن الأمة ضد عدو أجنبي. ومع ذلك، كان هناك عدد قليل من النزاعات بين بلدان أفريقيا، لا سيما على مدى العقود القليلة الماضية. علاوة على ذلك، تمكنت الدول الأفريقية من استخدام الآليات الدولية لحل النزاعات الحدودية بشكل سلمي. فتم حل الخلافات الحدودية بين نيجيريا والكاميرون وبوركينا فاسو ومالي وكذلك بنين والنيجر من خلال محكمة العدل الدولية في لاهاي.

وبدلاً من ذلك، فإن تهديدات أفريقيا محلية بالكامل تقريبًا في طبيعتها. ظل تنظيم بوكو حرام وحركة تحرير دلتا النيجر يتحدان السلطات النيجيرية منذ عدة سنوات. في حين تكافح حكومتا أنغولا والسنغال منذ عقود من الزمن لهزيمة القوى الانفصالية الشديدة البأس في مقاطعتي كابيندا وكازامانس، على التوالي. وقد استغل الانفصاليون الطوارق، بمساعدة مجموعة من الجماعات الإسلامية المتشددة، حالة عدم اليقين السياسي في باماكو لتحقيق مكاسب في قتالهم من أجل السيطرة على شمال البلاد. وارتكب أمير الحرب الأوغندي جوزيف كوني وقواته غير النظامية جرائم بشعة ضد السكان الأوغنديين والكونغوليين وفي وسط أفريقيا لعدة عقود على الرغم من الجهود التي بذلتها جيوشها الوطنية. كما ما زالت جماعة الشباب المتطرفة العنيفة تشكل خطرًا على الاستقرار في الصومال.

٦٢وتؤكد عمليات التمرد المحلية هذه على الفصل بين التفويض العسكري والتهديد الأمني الفعلي. في بعض البلدان، تكون القوات غير النظامية التي تواجه القوات الحكومية مجهزة بشكل أفضل وأكثر قدرة على الحركة ولديها معرفة أفضل بالتضاريس. وبالتالي، يجب على قوات الأمن الأفريقية أن تصبح أكثر كفاءة ومهنية كي تسود. وإلى أن يحدد القادة الأفارقة مهمة واضحة لمؤسساتهم الأمنية ويدمجوها في عمليات التخطيط الاستراتيجي الخاصة بهم، فإنهم لن يتمكنوا من توفير الموارد وتدريب قواتهم لمواجهة التحديات الأمنية الحقيقية التي يواجهونها.

قم بتنزيل التقرير

English | Français | Português | العربية | አማርኛ