انتخابات رئاسية : ١٠ أبريل
من غير المرجح أن تسفر الانتخابات الرئاسية في جيبوتي المقرر إجراؤها في أبريل ٢٠٢٦ عن أي مفاجآت. ويسعى الرئيس إسماعيل عمر غيليه، الذي يسيطر على السلطة منذ عام ١٩٩٩، إلى الحصول على ولاية رئاسية سادسة في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه ١.٢ مليون نسمة. وجيبوتي، التي تقع على طول مضيق باب المندب الإستراتيجي بين خليج عدن والبحر الأحمر، تسيطر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر ما يقرب من ١٢ إلى ١٥ بالمائة من التجارة العالمية و٣٠ بالمائة من حركة سفن الحاويات.
على الرغم من خلو الطريق أمام غيليه لتولي الرئاسة، إلا أن جيبوتي عليها أن تواجه حالة من عدم الاستقرار السياسي الكبير.
لقد تم تسهيل فترة الولاية الطويلة لغيليه، البالغ من العمر ٧٧ عامًا، من خلال سلسلة من التعديلات الدستورية التي ساعدته على تجاوز حدود فترة الرئاسة. ويشمل ذلك تعديلًا أُقِرَّ على عجل في الجمعية الوطنية من قِبَل ائتلاف غيليه، الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية (UMP)، في نوفمبر ٢٠٢٥، وهو تعديل ألغى الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة البالغ ٧٥ عامًا.
ومن المرجح أيضًا أن يستمر غيليه في منصبه، نظرًا لعدم وجود مرشحين من المعارضة يخوضون الانتخابات حتى الآن. كما أن المعارضة الظاهرية، التي تشغل ٧ مقاعد من أصل ٦٥ مقعدًا في الجمعية الوطنية، أيدت غيليه هي الأخرى.

ناخب يتحقق من وجود اسمه في قائمة الناخبين خلال انتخابات برلمانية في مدينة جيبوتي في ٢٤ فبراير ٢٠٢٣. (صورة من: وكالة فرانس برس)
قاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، وهما حركة التجديد الديمقراطي والتنمية (MRD) والتحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية (ARD)، الانتخابات منذ عام ٢٠١٦، مُعللين ذلك بعدم حيادية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات (CENI). وتواصل المعارضة مطالبة الحكومة باحترام بنود اتفاقية ٢٠١٤ بشأن الإصلاحات المؤسسية والديمقراطية. ووصفت حركة التجديد الديمقراطي والتنمية الانتخابات في البلاد بأنها “مهزلة”، مُدعيةً أن “شعب جيبوتي محروم من حقه في اختيار قادته بحرية“.
في الواقع، فإن المشهد الانتخابي مُجحف بشكل كبير. فالموالون لجيليه يهيمنون على اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات. ولا تستطيع وسائل الإعلام المستقلة العمل داخل البلاد، وتحتل جيبوتي المرتبة ١٦٨ من بين ١٨٠ دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي السنوي الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود. ويتعرض الصحفيون الذين ينتقدون الحكومة للترهيب والاعتقال، ولا تُحترم حريات تكوين الجمعيات والتجمع والتعبير بصفة عامة.
في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢١، أُعلن فوز جيليه بنسبة ٩٨% من الأصوات.
على الرغم من خلو الطريق أمام جيليه لتولي الرئاسة، إلا أن جيبوتي عليها أن تواجه حالة من عدم الاستقرار السياسي الكبير في عام ٢٠٢٦. وقد واجه جيليه مشاكل صحية متكررة، مما أثار المخاوف بأنه قد يتنحى قبل انتخابات ٢٠٢٦. وهناك توقعات أيضًا بأن جيليه يجهز لكي يخلفه ابنه بالتبني، نجيب عبد الله كامل، البالغ من العمر ٦١ عامًا، في منصب الرئاسة. ويشغل كامل منصب الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء.
يتكون الائتلاف الحاكم من توازن دقيق بين المصالح السياسية والجغرافية والعرقية.
لقد أدى هذا الأمر إلى توترات داخل الائتلاف الحاكم الذي يتألف من توازن دقيق بين المصالح السياسية والجغرافية والعرقية. ويشمل ذلك أحزاب معارضة سابقة مثل جبهة استعادة الوحدة والديمقراطية (FRUD)، التي حملت السلاح ضد الحكومة. ويبدو أن هذه التوترات كانت أحد العوامل التي أدت إلى استقالة ألكسيس محمد، أحد كبار مستشاري غيليه، في سبتمبر٢٠٢٥. وعزا محمد استقالته إلى “تراجع الديمقراطية في البلاد، وانعدام الشفافية في الاتفاقيات الاقتصادية والدبلوماسية، وتهميش مؤسسات الجمهورية، والإدارة القائمة على المحسوبية للدولة“. كما رفض محمد في بيانه الموافقة على تعديل دستوري من شأنه أن يسمح لغيليه بالتحايل مجددًا على حدود الولايات الرئاسية. كما ذكر في بيانه أن حدود الولايات “ركيزة أساسية لأي ديمقراطية”.
وتأتي هذه التوترات داخل الحزب في أعقاب نمط من الاعتقالات الدورية لشخصيات سياسية وأمنية بارزة في السنوات الأخيرة بتهم مختلفة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها ذات دوافع سياسية.
ورغم تمتع الحكومة بحماية من المنافسة الانتخابية، فإنها تواجه ضغوطًا داخلية ناجمة عن تفاوتات كبيرة في الدخل، والقدرة على الوصول إلى الخدمات، وفرص العمل. وتشير التقديرات إلى أن ٣٤% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن ٧٣% من الشباب عاطلون عن العمل، على الرغم من أن جيبوتي تتمتع بأعلى مستويات دخل سنوي للفرد (٣٢٧٦ دولارًا أمريكيًا) في شرق إفريقيا.

ميناء دوراليه متعدد الأغراض في مدينة جيبوتي، الذي بنته شركات صينية وافتُتح رسميًا عام ٢٠١٧. (صورة من: وكالة فرانس برس/شينخوا/وانغ غوانسن).
ترتبط آفاق جيبوتي الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الإقليمي، وباستخدام موانئها. ولا تزال جيبوتي تستحوذ على أكثر من ٩٠% من تجارة إثيوبيا، على الرغم من جهود أديس أبابا لتنويع اقتصادها. وفي الوقت نفسه، تُشكّل عائدات موانئ جيبوتي من إثيوبيا نحو ٧٠% من الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي. ولذلك، فإن تصاعد الهجمات على السفن في خليج عدن والبحر الأحمر من قِبل ميليشيات الحوثي العاملة انطلاقًا من اليمن وقراصنة الصومال، زاد من التحديات الاقتصادية التي تواجهها جيبوتي.
وفي سياق تطوير بنيتها التحتية للسكك الحديدية والموانئ، تكبّدت جيبوتي ديونًا خارجية بلغت ٣.٤ مليارات دولار أمريكي (أي ما يعادل ٦٦% من ناتجها المحلي الإجمالي). وحوالي ٤٥% من هذا الدين مستحق للصين، مما يجعل جيبوتي أكثر دول العالم عرضةً للقروض الصينية.
كما يتعين على جيبوتي إدارة المنافسة المتزايدة بين دول الخليج على النفوذ في شرق إفريقيا، بما في ذلك السيطرة على الموانئ وطرق التجارة. وقد دفعت المخاوف بشأن سيطرة شركة موانئ دبي العالمية (DP World) الإماراتية على ميناء دوراليه جيبوتي إلى إلغاء اتفاقية الميناء عام ٢٠١٨، في قضية لا تزال قيد النظر أمام المحاكم. ووصف غيليه طموحات الإمارات المتنامية في شرق إفريقيا بأنها “تزعزع استقرار المنطقة بشدة“.

رئيس جيبوتي، إسماعيل غيليه، يتفقد حرس الشرف خلال حفل تنصيبه الرابع رئيسًا للجمهورية في ٨ مايو ٢٠١٦. (صورة من: وكالة فرانس برس/حسين حرسي).
في غضون ذلك، رحبت جيبوتي بزيادة الاستثمارات السعودية، بما في ذلك مصفاة نفط بقيمة ١٢.٧ مليار دولار أمريكي، وإنشاء مركز لوجستي رئيسي بعقد إيجار لمدة ٩٢ عامًا في منطقة جيبوتي للتجارة الحرة الدولية.
وتسهم جيبوتي باستمرار في الجهود الأمنية الإقليمية في الصومال، فهي توفر ١٨٠٠ جندي في الصومال ضمن قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، لمساعدة الحكومة على مجابهة حركة الشباب. كما تمول جيبوتي وحدة منفصلة قوامها ٣٠٠ جندي للمساعدة على حماية أمن الرئيس الصومالي والبنية التحتية الرئيسية.
ورغم أنه من غير المرجح أن تشهد نتائج انتخابات جيبوتي لعام ٢٠٢٦ الكثير من الجدل، إلا أن هذا يخفي صعوبة التوفيق بين المصالح المحلية والإقليمية والدولية المتنافسة التي يتعين على جيبوتي إدارتها للحفاظ على سيادتها وتعزيز مصالحها. وقد أظهر غيليه براعةً في إدارة هذا المشهد السياسي المعقد. ومع ذلك، فإن التآكل المستمر للمؤسسات الديمقراطية على مر السنين أدى إلى ضعف القاعدة السياسية، الأمر الذي سيُجبر جيبوتي في نهاية المطاف على إدارة عملية الانتقال من غيليه، مما يزيد من المخاطر.
جيبوتي: انتخابات بلا منافسة تخفي بحرًا من عدم الاستقرار