Print Friendly, PDF & Email

ترويض فـــــئة حــاملي البنــــادق الغالبة في جنوب السودان

فئة "البنــــــادقة" {حاملي البنادق} – هي الطبقة التي نتجت من إنصهار قادة الأمن مع السلطة السياسية، والطبقات الإجتماعية، والفــئات العرقية – وهي في قلب "نظام الحكم المفترس" الذي تأصل ودبت جذوره وسيطرت على خناق الأمور في جنوب السودان. تغيير هذا المسار يتطلب إعادة تعريف للأدوار التي يلعبها كل من الســياسيون والأمنيون.

South Sudan fighters in Leer - northern South Sudan. Photo: UNMISS

Fighters in Leer, South Sudan. (Photo: UNMISS)

إعـــــاقة  التنمية السياسية

في جنوب السودان وفي المراحل الأولى بعد الإستقلال، وعند بدايات تكوين الدولة، لعب الجيش، “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA) دوراً  أكبر من دوره الطبيعي في نظام الحكم. في الواقع، عادة ما ينحســر دور الجيوش بعد الإستقلال وتتوارى في الخلفية السياسية مع تطور الحياة الديمقراطية. ولكن هناك بلدان فيها “العسكرية الارستقراطية” تهيمن على الحياة العامة. بالإضافة إلى هذا، فهناك بعض  الخبراء من الإصلاحيين المدفوعين دائماً بميل معين للتغيير الاجتماعي، ولكن غالباً ما توجد فجوة بين شعاراتهم وممارساتهم.

على عكس الفترات التاريخية السابقة التي تميزت بالاختلافات الأيديولوجية، فإن مدبري الانقلابات  المعاصرين والمتمردين في أفريقيا يميلون  إلى تكوين نخبة  حاكمة متماسكة هدفها الرئيسي تقاسم الريع والدخل والسلطة. ولذلك تكون القيادة الذي تنبثق من هذه الأجــندة هي التي تساهم في تشكيل هياكل الحركات المتمردة. هذا، بدوره، يؤثر على مسار أي من الحكومات التي تبرز في فترات لاحقة.

في جنوب السودان، تسببت هيمنة “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA)، بعد أن حصلت على استقلالها بحــد السيف في عام 2011، في الحيلولة دون بناء مؤسسات فعالة.  ما سبب هذا الفشل الذريع؟  انعدام الالتزام بإصلاح الجيش والاستخبارات  ووكالات إنفاذ القانون وإنقاذهم من الركود والضمور السريع في المرحلة الجنينية من مراحل تشكيل الدولة. فبدلاً من ذلك، قد تحول الجيش الشعبي إلى طبقة أرستقراطية تنكســية مدججــة بالأسلحة تمتطي المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وتسيطر عليها مثل العملاق.

التطور التاريخي لفئة “البنـــادقة” في جنوب السودان

نزعة جنوب السودان للعنف والصراع وعجزها عن الحصول على عمق مؤسسي يمثل مشكلة واسعة وعميقة. ويعود هذا جزئيــاً إلى عسكرة جميع جوانب الحياة والمجتمع وهذا يرجع تاريخياً إلى فترات العبودية والاستعمار. فقد سيطرت النخب ذات المصالح الذاتية نتيجة لأستحدامها للعنف. ففي الماضي، قدمت هذه الخبة الهيبة العسكرية للمشروع الاستعماري الاستخراجي الجنود والنهب. وبعد ذلك، استخدمت الترتيبات المماثلة التي أسفرت عن تطهير الوطن من الاحتلال الأجنبي – لا سيما من استعمار “جلبه السودانية”.

Egypt under Muhammad Ali Dynasty map . 1805 - 1914

The reach of Muhammad Ali Pasha’s Dynasty, 1805–1914.

تشكيل فئة البنــادقة الغالبة في جنوب السودان يرجع  أصله إلى الحرب والعبودية، عندما غزا محمد على باشا، “والي مصر”، في عام 1821، السودان وكان هدفه الرئيسي أسر العبيد لتوفير القوى العاملة.  وبعــد عقود من الحكم “الأنجلو-مصري”، إكتسب السودان الإستقلال في 1 يناير 1956. ومع ذلك، فقد تولدت المعارضــة نتيجة لعدم الاكتراث لمناشدات سكان المناطق الجنوبية بالسودان ومناداتهم ورغبتهم في الحصول على مزيد من الاستقلال الذاتي بدلاً من الهيمنة الشمالية. وتوجت هذه العملية بتمرد “الفيلق العسكري الاستوائي السوداني” في توريت في الأشهر التي سبقت الاستقلال. وكأن هذا كان بمثابة إطلاق الحرب الأهلية الأولى.  وقد حولت حركة “آنيـــا-نيـــا” والثورات اللاحقة؛ والتي كانت تدفعها جهات خارجية. و في عام 1972، تم إنشاء إدارة شبه ذاتية الحكم لجنوب السودان عقب التوقيع على “اتفاق أديس أبابا”. ومع ذلك، ســيطر الأفــاندية {الطبقة النبيلة من النخب العرقية السياسية}، والذين تم وصفهم في وقت لاحق بواسطة حركة التحرير (SPLM)  في برنامجها التشغيلي  عام 1983 بوصفهم “النخب الجنوبية البرجوازية العرقية”، التي هيمنت على السياسة في الفترة التي تلت 1972. جنبا إلى جنب مع هذه الطبقة السياسية المزدهرة، بدأ المتمردون السابقون بشغل المناصب العليا في الحكومة ويتحكمون في  الوسائل الاقتصادية للمجتمع. وأصبحت طبقة المتمردين تدرك مصالحها المشتركة كطبقة أخرى من الطبقات  الاجتماعية المتميزة.

في نهاية المطاف، تحالف النخب المتعلمة مع المسلحين المدججين وتعاونوا على تشريد فئات النخبة من “الإدارة الاستعمارية السابقة الأنجلو-مصرية”.   واستمر الصراع الطبقي الضمني بين كل من فئــات المشيخة، والأفــندية، والمتمردين السابقين. وهذا يفسر لماذا  كان “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA) ممانعاً ومعترضاً في البداية على مطالب مشروع إعادة الهيكلة السياسية والإدارية. مما أدى إلى تعطيل أنشطة تطوير المؤسسات خارج الجيش وحركة التحرير.

John Garang

John Garang.

ومع استئناف الحرب الأهلية في عام 1983، تم تفكك المؤسسات المدنية والتقليدية الناشئة  ومؤسسات الإدارة العامة التي أنشئت في الجنوب أثناء فترة “الحكم شبه الذاتي”  أو تم تجاهلها بالكامل. وبينما إمتدت الحرب وطال أمدها وتم تحرير مناطق في الجنوب، بدأ الجيش يسيطر على الإدارة، وبالتالي تمهيد الطريق “لفئـــة البنـــــادقة” بأن تزدهر وأن تهيمن على النظام السياسي الشامل بعد اتفاق السلام (CPA)

عند صعوده إلى السلطة، وفي أعقاب وفاة “جون قرنق” في حادث تحطم مروحية في 30 يوليه 2005، تخلى “سالفا كيير” عن الخطة التي وضعها قرنق لفصل الجيش الشعبي SPLA من جيش تحرير السودان SPLM  ووضع الجيش الشعبي SPLA تحت السيطرة المدنية. أوقفت هذه خطط “كــير” السياسة والمعروفة باسم  “الخيمة الكبيرة”، والتي بمحتواها تم منح العفو الميليشيات وإدماجها في الجيش الشعبي SPLA، مما نتج عنه تقويض جهود الإصلاح. ونتيجة لذلك احتفظت الزمرة الحاكمة بسيطرتها على زمام الأمور. وكانت المحصلة تولد نظام أمني عنيف ومثقل ويفتقر إلى التنوع.

تفعيل العنف

في جنوب السودان، يعتمد الحراك الاجتماعي أساساً على خمســة أركان رئيسية: البنادق، والثروة، والدين، والتعليم، والقبيلة، والتي غالباً ما توجد في “حلقة تغذية مرتدة مفرغة ومتكررة”.  وكان صعود النخب “الفخورة بالذات العرقي” متلازماً مع درجة التعليم التي حصلوا عليها في السابق. كما إستخدم بعض “الأنبيــاء المحليين” ذات الميول المسيحية أو اليهودية، مثل نبي النوير في القرن التاسع عشر “نجوندينج بونغ” الذي إستخدم قوة الدين لتعبئة الحلفاء.

كل من مجموعات النخب هـذه استخدمت الأسلحة النارية لزيادة قوتها. على هذا النحو، كانت إمكانية الحصول على الأسلحة النارية والثروة هي العوامل الحاسمة لتعزيز المركز الاجتماعي المتميز.

لقــد بنى أمراء الحرب شبكات موازية من الكهنة ذوي المستحقات {بريبانداريز}، جعلتهم  يشعرون أن لديهم الحق في الحصول على الإيرادات العامة لمصالحهم الخاصة. فقاموا بتخصيص  الوظائف العامة والإيجارات المالية لأنصارهم والأفراد الموالين لهم كشكل من أشكال المحسوبية. وقد تم  تحديد مستوى السلطة السياسية على أساس الروابط التراثية وعلى أساس درجة  الولاء للزعيم بالسلطة السياسية،  وعلى أساس نصيب القائد منهم من مخصصات الموارد العامة. وقد إعتمد الحراك التصاعدي بين طبقات المجتمع على درجة التحكم في أساليب الإكــراه. ونتيجة لذلك، أصبح  أهم العوامل في الحياز على السطوة والسلطة والنفوذ وإمكانية الوصول إلى وسائل الإستهلاك هو درجة إحتكار الفرد {أو الطبقة الإجتماعيىة} لوسائل الإكراه.

وقد ساهمت وفرة المجندين من قبيلة أو عشيرة أحد القادة، بالإضافة إلى توفر قدر  من الدعم الخارجي؛ وهو ما يرتبط غالباً بإمكانية الحصول على البنادق؛ أعطت ضمانات متينة لأي زعيم معين بأن تكون له الغلبة.  الأصل العرقي أصبح أداة هائلة القــوة لتعزيز الولاءات التراثيـــة. كما وفرت المزايا  الأدبية، والاعتماد على السحر، وعلى والآلهة المحليين، وأعطت بعض أمراء الحرب ميزة تنافسية أعلى من منافسيه.  وفي ظل هذه الظروف، ظهرت مجموعة جديدة من المهارات التنظيمية والقدرات الإدارية، ومجموعة من القيم الإجتماعية وأثرت في روح الجمهور من الشعب.  لا غرابة، أن حرمة الدولة وإحتكارها لوسائل العنف أصبحت هي العرف المشروع مع ظهور فئة البنـــــادقة في جميع المتغيرات والمناحي الإجتماعية؛ مما نتج عنه تشويه صورة الدولة.  في حين قطع استقلال جنوب السودان من السودان الأشكال التقليدية للهيمنة الأجنبية بواسطة فئة جــالبـه المركانتيلية في الشمال، إلا أن المبدأ الأساسي في تحكم العرقي المبني على أساس هيمنة فئة عسكرية  لا يزال موجوداً.

حتى لو ظلت الدولة غنيمة  للمتخاصمين، فقد تم تفريغ قدرات  دولة “جنوب السودان” القضائية والتشريعية والإدارية. وقد تقلصت المساحة المتاحة للأصوات المستقلة مثل “جمعيات المجتمع المدني” إلى حد كبير. وساهم خليط  الفساد، والعنف، والتعبئة العرقية في وضع البلاد على حافة الدرج إلى الهاوية.   وسط هذا الفراغ – ولكنه كان جهداً متعمداً بواسطة أمراء الحرب لدعم قواهم الطائفية – ظهرت لجان الأمن الأهلية في المجتمع لتحقيق نوع من الأمن الجماعي لقطاعات معينة من الســكان (3).  علاوة على ذلك، فقد ساهم اقتصاد الحرب المربحة في الجنوب وشجع  “المتمردين الســودانيين الجُــدد”  وشبكات الكارتل للتنافس في نهب الغنائم من السوق.

الافتقار إلى الإرادة السياسية ﻹصـــلاح قطاع الأمن، والقضاء على المشكلة الشــريرة المتمثلة في  “هيمنة فئة البنــــــادقة” لا تزال العقبة الرئيسية في عملية بناء الدولة في جنوب السودان. حتى الآن، “مجـرد التفكير في مختلف مؤسسات الأمن [في جنوب السودان] كملحقات تابعة للدولة  وخاضعة لسيطرتها يعتبر أساسا ســـوء فهم لطبيعة المجتمع في جنوب السودان (4).  إن جنوب السودان يمثل حالة شاذة “حيث أن الجيــش قد أخذ البلاد كرهــينة”.

وعلاوة على ذلك، فالبلــد يتحرك ببـــطء تجاه  حالة “اللا دولة”(5). ولذلك فإن تزايد المبادرات التي تدعو إلى “إصلاح قطاع الأمن” في مواجهة “فئة البنــــادقـة”  التي يبدو أنها قد ترسخت وتغلغلت في “لعبة” السياسة والتي تنتظم  حول الفواصل العرقية، ويصبح  الإصلاح  مهمة شاقة بل أقرب إلى محاولة صيد ثعبان البيثــان في الطين.

سيناريوهات الخروج الممكنة

لا يتم إنشاء القواعد التنظيمية الجديدة والمذاهب والتعاليم والمعتقدات الأمنية البديلة والفعالة إلا عندما تكون هناك إرادة سياسية  للتجديد والتغيير. عادة ما تتسبب المحن الاجتماعية المتكررة في بداية الحياة  إلى دفع  الكائنات الحية إلى توليد “نمط دفاعي ظاهري” ثم يبرز التأثر بالمرض في وقت لاحق من الحياة.  إن  “فــــئة البنـــــادقة”  تستمد من هذه النظرية البيولوجية  ومن البقايا المعرفية الإجتماعية المرتكزة على “إرث العنف” وهو الذي “يخــنق” جهــود الإصــلاح الحالية (6). وحتى يمكن نزع أسلحة المجتمع بجنوب السودان و “إخضاعه للإدارة المدنية”، وكبح “فئـــة البنــادقة” المســيطرة والمتســلطة، وكل هذا يفترض  وجود الفضاء المدني، والقاعدة الشعبية، و الرغبة في إستعادة سيادة القانون. هذه الوصفات  يجب أن تتجاوز “قطاع الأمن” وتسمو فوقه وتتفوق عليه إذا كانت هناك رغبة صادقة في إقتصــــار “احتكار الوسائل المشروعة للإكراه” على ســلطة الدولة  لا غير.

هناك طرق متعددة لتحويل الدائرة إلى مربع، بالرغم من كل ذلك.  ففي أنغوﻻ وزيمبابوي وناميبيا وموزمبيق، إنســحبت الجيوش الاستعمارية مخزية، واستعيض عنها  بمجموعة متمردة مهيمنة أو بتحالف من مجموعات من المتمردين.  وفي  إثيوبيا  تم حل الجيوش القمعية وأجهزة الأمن، وفي أوغندا، وتشاد، عندما تولي السلطة المتمردين السابقين. أما  في مرحلة “ما بعد الفصل العنصري” في جنوب أفريقيا، تم تشكيل مؤسسات القطاع الأمني الجديد من بين أطراف النزاع. و في الآونة الأخيرة في كل من ليبيريا، وسيراليون، وكوت ديفوار {ساحل العاج}، والصومال، تم “بناء أنظمة أمنية جديدة” وتم بناء القطاع الأمني من الصفر مع دعم خارجي كبير. والســؤال الذي يطرح نفســه: هــل يمكن تطــبيق أي من هذه النماذج  في جنوب السودان؟  أو هل سيكون أي واحدة منها مناسبة للبلاد؟

نزع سلاح المتمردين

إعطاء الحرب فرصة قد تسمح لواحد من جوانب الصراع فرض إرادته على بقية المتمردين.  انتصار “الحركة التحرير الشعبية”  MPLA في أنغوﻻ ضد حــركة “يونيتا” UNITA قد أدى إلى تفكيك هذه الأخيرة مع إدماج بعض مقاتلي “يونيتا” ولكن تحت الشروط التي أملاها الطرف المنتصر. ونتيجة لهذا الإنتصار إنضم المتقاتيلن إلى الجيش ليس فقط المقاتلين من حركة “ليونيتا” ولكن إنضم معهم إلى الجيش أيضاً أعضاء قوات الإحتياط من “الحركة التحرير الشعبية”  MPLA في أنغوﻻ والميليشيات كذلك.  قد شملت الخطوات التالية أيضا عملية ضخمة لنزع السلاح،  والتسريح،  وإعادة الإدماج. تطبيق  هذا السيناريو غير محتمل تماما حدوثه في جنوب السودان نظراً لأن  “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA)  ليست لديه القدرة الكافية على شن حرب طويلة ضد التمرد تكون فعالة لهزيمة صفوف طويلة ومتسعة من الفصائل المتمردة.  حتى إذا كان ذلك السيناريو ممكناً، فإن نتيجته ستكون إســتمرار هيمنة “فـــــــــــئة البنــــادقة.

تسريح “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA)

إنشاء هيكل أمني جديد لجنوب السودان قد لا يكون ممكناً إلا إذا ما صمتت المدافع أو لو تم  تقليل مستوى العنف بشكل ملحوظ. فعلى سبيل المثال، إصلاح مؤسسات قطاع الأمن في أوغندا في عام 1986، وفي إثيوبيا وإريتريا في عام 1991، وفي رواندا في عام 1994، حدث فقط عقب الإطاحة بالدكتاتورية والتحول الجذري للدولة. وكما ظهر في المثال بالسيناريو السابق، فهناك العديد من المخاطر الملازمة لهذا النهج، الذي يتطلب ترتيبات أمنية مؤقتة لتفادي إمكانية إنزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى. وبما أن المتمردين؛ منذ البداية؛ قد أثبتوا عدم قدرتهم على هزيمة “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA)، وعدم احتمال موافقة الأطراف على تسريح جيوشها للسماح بتشكيل مؤسسات أمنية جديدة، فهذا السيناريو غير محتمل حدوثه أيضاً. ولكن  إذا، ومن خلال التوصل إلى تسوية سلمية، أختار المتمردين “نزع السلاح طواعية”  أو مقابل مكاسب سياسية معينة، بما في ذلك نبذ العنف من جانب جميع الأطراف، والقبول بالتحول الديمقراطي، وإجراء إصلاحات جذرية في قطاع الأمن – والسماح لقطاع أمني جديد بأن يدب جذوره في أرض الواقع.  ومع ذلك، فإن هذا  السيناريو أيضا من غير المحتمل  حدوثه نظراً لعقلية  “فــــئة البنـــــادقة”  الكامنة داخل المعارضة المسلحة.

إعادة هندسة عــــلاقات قطاع أمن الدولة

الترتيبات الأمنية المذكورة بالتفصيل  ضمن “إتفاقية تســوية الصراع في جمهورية جنوب السودان” (ARCSS) (أركس) تنص على  إنشاء مؤسسات أمنية شاملة وتمثيلية مشتركة أساسا بين الأطراف المتحاربة (أقرب إلى النموذج الذي تم تطبيقه  في جنوب أفريقيا).  فلو كانت هناك قوة إرادة سياسية في عام 2016 عندما إنضم “ريك ماشار” إلى الحكومة في جوبا، لكان بالإمكان أن يتم تنفيذ هذه الترتيبات لأنه كان هناك عدد أقل من الأطراف المنخرطة في الصراع في ذلك الوقت.  بيد أن الميل نحو “المساومة الصفرية”  تسبب في إنهيار جهود وقف إطلاق النار في يوليو {تموز} عام 2016.  وباللمثل، فإن إنشاء “الحكومة الانتقالية للوحدة الوطنية” (TGoNU) ضمن بنــود  “إتفاقية تســوية الصراع في جمهورية جنوب السودان” (ARCSS) (أركس)  قد فتح الباب أمام سيناريوهات جديدة لتحويل قطاع الأمن بإيجاد فرص للتعاون المتبادل بين الأطراف/الأحزاب.  ومع ذلك، فإن إنهيار “إتفاقية أركس” يوقع  البلاد في “فخ إنتقــالي”  بإضفاء الشرعية والــدوام على ما هو مؤقت.

وبناءاً عليه، فإن الترتيب المؤقت  — سواء كان ذلك تشكيل حكومة تكنوقراط، أوحكومة هجين من التكنوقراط والسياسيين المحترمين،  أو  من ائتلاف من بين الخصوم السياسيين استناداً إلى معايير انتقاء صارمة – يجب فصل مهمة إعادة بناء قطــاع الأمن على أن تتولاها  هيئة محايدة لمدة سنتين على الأقل. وهذا يعني فك الارتباط الكامل للقيادة الحالية في الحكومة والمعارضة من السيطرة على قطاع الأمن. ويمكن الوصول إلى هذا التفاهم في مؤتمر “للمائدة المستديرة”  يجميع كافة أصحاب المصلحة و الأطراف المتحاربة. ويجب أن تتخلى الأطراف المتحاربة طوعاً عن هذه الوظيفة  الأساسية وتسليمها إلى هيئة مستقلة تتألف من الخبراء الوطنيين البارزين والممارسين. وتكون الإدارة والرقابة  في يــد “لجنة السلام والأمن” التابعة “للاتحاد الأفريقي” (AU)  في هذه الأثناء، تقوم  كل من “فرقة عمل من الشــرطة الخاصة”، وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وقوة الحماية الإقليمية، تقوم جميعها بتلبية الاحتياجات العاجلة من الأمن العام والحفاظ على القانون والنظام. وبمجــرد الإنتهاء من  إنشاء مؤسسات قطاع الأمن الفاعلة والقابلة للمسآلة والخاضعة للرقابة، يمكن أن تعود هذه المسؤولية إلى دولة جنوب السودان.

هذا الخيار هو السيناريو الوحيد القابل للتطبيق لخلق مؤسسات جديدة لقطاع الأمن  تكون قابلة للرقابة والمسآلة في جنوب السودان.

وإذا ما تركنا الجهات الفاعلة والتي تعاني من إنقسام حاد في جنوب السودان ليتصرفوا على هواهم فسوف يعطونك في النهاية “نظام أمني” موالي لهم ويخدم فقط المصالح السياسية لهؤلاء القادة من تلك الجهات الفاعلة.  وعلاوة على ذلك، فإن التغيير الحقيقي يتطلب إرادة سياسية، وهذا غير متوافر في ظل الظروف الراهنة.  وسوف يتم تنفيذ هذا السيناريو  بإتباع “نماذج لإحياء الدولة وإعادة بنائها في أماكن أخرى في أفريقيا – كما  حدث في ليبيريا، وسيراليون، والصومال، وكوت ديفوار {ساحل العاج}.  وكما حدث في بعض الحالات الأخرى، سيتطلب هذا توفر “الدعم والتعزيز الكامل”  والمساندة  الكبيرة من الأمم المتحدة – لا سيما في مجالات التسريح وإعادة الإدماج، ونزع سلاح المدنيين.  يجب أن يتم التحديد الواضح للضمانات الكافية المتعلقة بالحفاظ على السلامة الإقليمية لجنوب السودان من العدوان الخارجي المحتمل ومن المطامح الإقليمية للدول المجاورة.

الاستنتاج

في جنوب السودان، إتباع منهج الإسعافات الأولية بدلاً من الإصلاح، والإكتفاء بمجرد محاولة “الإدماج” أو “إعادة الإدماج” لمختلف الجماعات المسلحة دون الإعتماد على “خريطة طريق سياسية واضحة للبلاد”، بالإضافة إلى غياب الإرادة السياسية في التغيير، كانت جميعها ضمن أسباب  الوضع الكارثي الذي تواجهه جنوب السودان حالياً.  ولذلك تبرز الحاجة إلى إتباع نهج بديل. فمن أجل استعادة قدرة الدولة على توفير الأمن، وإعادة بناء القطاع الأمني بحيث يصبح مسئولاً أمام حكومة ديمقراطية مدنية، والإزالة التامة والتطهير الشــامل لسرطان العنف، والعنف السياسي الخبيث.  وهذا يتطلب التوسع في السلطات الموكلة إلى “هيئة خاصة من الخبراء” وتفعيلها  — مثل “مجلس الأمن والدفاع الاستراتيجي” وهو المنصوص عليه جزئياً  ضمن “إتفاقية تســوية الصراع في جمهورية جنوب السودان” (ARCSS) (أركس)  — على تصميم وتنفيذ هيكل أمني جديد. وتحقيقا لهذه الغاية، سيتعين  على “مجلس الأمن” التابع للأمم المتحدة   تفويض الاتحاد الأفريقي ومنحه السلطة للاضطلاع بهذه المهمة لعدد محدود من السنوات. وبالإضافة إلى هذا فيجب إستبعاد البلدان التي لديها المصالح الجغرافية السياسية الواضحة في الصراع في جنوب السودان، خشية أن تتناحر فيما بينها نتيجة لتضارب المصالح. فإذا ما تناحرت تلك البلدان فسوف تفشل الجهود

مــاجاك داعغــووت محلل مستقل لمعهد الأفق تغيير “تحليل السياسات الاستراتيجية” CHI-SPA)). أنه عمل سابقا في المخابرات وإدارات الدفاع في حكومات السودان وجنوب السودان، على التوالي.

 

Notes

  1. Jalaba refers to extractive, mercantilism practiced by the Sudanese Arabs.
  2. John O. Udal, The Nile in Darkness: A Flawed Unity, 1863–1899 (Norwich: Michael Russell (Publishing) Ltd, 2005), 208.
  3. Koos Malan, Politocracy: An Assessment of the Coercive Logic of the Territorial State and Ideas around a Response to it, trans. Johan Scott (Pretoria: Pretoria University Law Press, 2012).
  4. Jeremy Astill-Brown, “South Sudan’s Slide into Conflict: Revisiting the Past and Reassessing Partnerships,” Chatham House (December 2014), 9.
  5. Daniel C. Bach, “Inching towards a country without a state: prebendalism, violence and state betrayal in Nigeria,” in Big African States, eds. Christopher Clapham, Jeffrey Herbst, and Greg Mills (Johannesburg: Wits University Press, 2006), 63-96.
  6. Jennifer J. Kish-Gephart and Joanna Tochman Campbell, “You Don’t Forget Your Roots: The Influence of CEO Social Class Background on Strategic Risk Taking,” Academy of Management Journal 58, No. 6 (2015), 1614-1636.