Print Friendly, PDF & Email

استقرار قطاع الأمن: شرط أساسي للاستقرار السياسي في جنوب السودان

Members of the South Sudan presidential guard. (Photo: Steve Evans.)

Members of the South Sudan presidential guard. (Photo: Steve Evans)

مقدمة

أدت العقود المتتالية من الصراعات في جنوب السودان إلى تآكل الفواصل بين الأدوار والمســئوليات بين الطبقة السياسية والجهات الأمنية، مما يؤدي إلى التقارب المتعمد والكارثي.  واحدة من نتائج هذا التشابك أن الأجهزة الأمنية أصبحت تلعب دوراً مركزياً في السياسة، كما أصبح السياسيين  مشغولون بالمسائل العسكرية والأمنية. و نتيجة لذلك، فقد أصبح على السياسيين ضرورة مغازلة  الجهات الأمنية وبناء علاقات معها على أساس المحسوبية حتى يتمكن السياسي  من أن يزدهر، ويبقلا فاعلاً وعلى قيد الحياة كسياسي في جنوب السودان.

إحدالنتائج الرئيسية لهذه التفاعلات بين السياسيين والأطراف الفاعلة في قطاع الأمن هو تسييس قطاع الأمن، وإضفاء الطابع العسكري على السياسة. ولسوء الحظ، فالجهات الخاسرة لا تنحصر فقط في الجهات الفاعلة من السياسيين، أو الرجال أو النساء العسكريين، ولكن الخاسر الحقيقي هو مواطني جنوب السودان ومؤسسات الدولة، وكذلك تخسر النظم و الهياكل والتي يمكن إعتبارها قد تشوهت بشكل  كبير  يستحيل معه إصلاحها. فقد أصاب الوهن والضعف  الهياكل الأساسية لقطاع الأمن وأثر في هيئات الرقابة التي أصبحت شديدة الضعف ولا يمكنها الوفاء بمسئولياتها الرقابية.

ونتيجة لهذه العلاقة غير الصحية بين الأمن والسياسة والتي يعزز فيها كل منهما الآخر ليكون الناتج المستديم هو عدم الاستقرار السياسي في قطاع الأمن. ومن المفارقات، أننا نجد أن قطاع الأمن قد أصبح هو المحرك الرئيسي لحالة “إنعدام الأمن”  وعدم الاستقرار السياسي، وبالمثل نجد أن الطبقة السياسية تقوم برعاية  هذه الحالة من “إنعدام الأمن” و “عدم الاستقرار” بل وتقوم بإدارتها.

وتساهم علاقة “المنفعة” و “المصلحة”؛ و خاصة في الوضع الراهن؛ في تزايد التشكيك في استعداد الجهات المحلية الفاعلة وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وفي قدرتها على إعادة هيكلة قطاع الأمن وإصلاحه. وعدم الرغبة في الإصلاح يضع موضع الشك جدوى مبادرات إصلاح قطاع الأمن على المدى القصير، والمبادرات التي تهدف إلى المعالجة التقليدية لقطاع  الأمن (SSR) وهي التي تسهم في حالة عدم الاستقرار السياسي في جنوب السودان. وبالمثل، وفي ضوء الطبيعة المعقدة للتحديات الأمنية التي تواجهها البلاد – وهي الحالة الضبابية التي تم إنشاؤها جزئيا نتيجة لأختلاط الخطوط بين الأمن والقطاعات السياسية وعدم وضوح الحدود والإلتزامات – وهو ما يبرر التركيز على الإصلاح على المســتوى  القصير  والمتوسط الأجل كحل بديل في الوقت الراهن.

المتطلبات الأساسية لإصلاح قطاع الأمن

إصلاح قطاع الأمن في أي مجتمع يفترض وجود نوعا من الهياكل والمؤسسات والأفراد المسؤولين عن توفير وإدارة الأمن العام وأمن الدولة.  وينبغي أن ينطوي هذا النظام الأمني على مهام المساءلة والرقابة والدفاع والمخابرات وأجهزة الأمن، والإدارة المتكاملة للحدود، والشرطة، والعدالة، والأمن الخاص، والشركات العسكرية، ومؤسسات المجتمع المدني، وهي جميعها تشكل نظــام الأمن الكلي.

وعندما يتم إعتبار هذه الهياكل والمؤسسات والأفراد غير قادرين أو غير مستعدين، إما بسبب التحديات الهيكلية أو نتيجة لأسباب غير هيكلية، عندها تتضح الحاجة إلى الإصلاح. وعند مقارنة صورة النظام الأمني المهني،  والمعقول التكلفة، والخاضع للمساءلة مع النظام الأمني الموجود في جنوب السودان فإن هذه المقارنة تقودنا إلى استنتاج لا مفر منه مفاده أن ما يوجــد في جنوب السودان هو مجرد هيكل لا يضاهي أي قطاع أمني إلا من بعيد. فما نراه في الجنوب  بدلاً من ذلك  هم رجال ونساء يحملون البنادق وقادرين  ومستعدين للقتل والتدمير.

ضعف المؤسسات والطابع المخـــتل للتعبئة السياسية ودوافع الإستبعاد المعتمد للآخــر  على أســس “العرقية الإقليمية” المصاحبة لها بالرغم من أنها تحمل علامة القوات الوطنية، إلا أن “جيش التحرير الشعبي السوداني” (SPLA) وغيرها من الخدمات الأمنية قد تم تنظيمها بشكل فضفاض  على شكل قوات الميليشيا وقوات حرب بالإنابة  والتي تتميز بتحالفات وولاءات متحولة ومتحورة ومتغيرة. فالولاءت لأمراء الميليشيات، والولاءات العرقية المختلفة والولاءات للسياسيين. ولأن الأمن يتم تعريفه بطريقة ضيقة ليعني فقط “المحافظة على أمن النظام”. وعندما يتم تطبيق هذا التعريف على أرض الواقع تجد أن سبب وجود قطاع الأمـــن  أساساً لحماية مصالح “رعاة المشروع” أو حماية “مجموعات عرقية” بعينها.  ولذلك، فحتى لو أصبحت الظروف المناسبة متوفرة، فإن التحدث عن “إصلاح قطاع الأمن” SSR في هذا السياق يكون مجرد أفكار مفرطة في الطموح.

استقرار قطاع الأمن والأولويات الفورية

في بيئة مثل البيئة المذكورة أعلاه، ينبغي أن تكون الأولوية الفورية لجنوب السودان هي “تهيئة الظروف اللازمة للاستقرار الأمني” لتحقيق الهدف المهم وهو تمكين جــذور “عملية السلام”.  وهذا بدوره، يضع الأساس “لإصلاح قطاع الأمن” SSR وإعادة الإعمار والتنمية. ولذلك يجب التركيز  على “إصلاح قطاع الأمن” SSR   ووفقا لتوصيات وحدة “إشاعة الاستقرار” في المملكة المتحدة:

استقرار قطاع الأمن يسعى إلى تمكين “الحــد الأدني والأساسي من الأمن والعدالة”،  أثناء آدائه لهذه المهمة فإن القطاع الأمني يقوم بحماية وتعزيز سلطة سياسية شرعية وإعداد الأسس اللازمة للانتقال إلى “الإصــلاح وإعادة هيكلة”  قطاع الأمن في الأجل الطويل.2

وينبغي أن يصبح التركيز الرئيسي لعملية  “إصلاح قطاع الأمن” SSR في إنهاء أو منع تجدد الصراع العنيف، وبالتالي خلق مناخ يشعر فيه الناس بالأمان بدرجة معقولة.  وفي هذا المناخ الجديد يمكن زراعة السياسة “غير العنيفة”، ويتمكن المواطنين من المشاركة في الأنشطة الاقتصادية الأساسية بالبلاد. وهذا ما هو ممكن خلال السنوات الثلاث المقبلة في ظل الظروف الراهنة في جنوب السودان.

عامل آخر يوصي “إستقرار قطاع الأمن” (SSS)   لجنوب السودان هو ضرورة إتصاف عملية الإستقرار بالمرونة والقدرة على التكيف.  وحتي يتم “إصلاح قطاع الأمن” SSR بنجــاح، فإن عملية الإصلاح يجب أن تستوفي معايير معينة:

  • الإرادة السياسية من السياسيين ومن قادة الأمن
  • مشروعا شاملا للإصلاحات المؤسسية
  • قيادة وطنية قوية
  • ينبغي أن تكون العملية الإصلاحية مملوكة وطنياً
  • إتاحة مساحة للحوار الوطني
  • وجود إطار للمساءلة الديمقراطية

مع مراعاة أن  عملية “إستقرار قطاع الأمن” (SSS)   تحتوي على  بعض العناصر   التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من “إصلاح قطاع الأمن” SSR على سبيل المثال، فإنها لا يلزم أن تكون عملية شاملة، ولكن بدلاً من ذلك، يمكن أن تركز فقط على الجهات الأمنية – مثل القوات المسلحة ودائرة الشرطة – وهما الجهتين اللتين لهما أهمية  بالغة للحد من تجدد أعمال العنف.  وعلاوة على ذلك، أنه يمكن أن يقودها فاعل خارجي، وبالتالي  تخفيض المنافسة الداخلية أو القضاء عليها بين الأطراف المحلية. يمكن تقسيم “إمتلاك العملية” على مراحل متسلسلة بهدف التحول الكامل إلى عملية “إصلاح قطاع الأمن” SSR على الصعيد الوطني في نهاية المطاف.

لهذه الأسباب والاعتبارات، فمن المستحسن، وبدلاً من التركيز على “إصلاح قطاع الأمن”، ينبغي التركيز على تحقيق “الاستقرار في الوضع الأمني” كإجراء يمكن تحقيقه في الأجل القصير. في بيئة مثل تلك الموجودة في جنوب السودان- مع السياسة المضطربة والعنف السياسي المستمر، وضعف القدرات المؤسسية والتنظيمية – يصبح “استقرار الأمن”  هدفاً  مناسباً. و بهذه الطريقة، يصير الهدف هو تحقيق الحد أدنى على الأقل من الأمن، وتعزيز وحماية شكل ما من أشكال السلطة السياسية الشرعية، وإرساء أساس للانتقال نحــو عملية  “إصلاح قطاع الأمن” SSR في الأجلين المتوسط والطويل.

إصلاح قطــاع الأمـــن في جنوب السودان: الرحلة حتى الآن

مع  فترات استراحات سلمية قليلة وقصيرة العمر، ظل “جنوب السودان” في حالة حرب منذ عام 1955 فليس من المستغرب أن يصبح الاقتصاد في الجنوب “اقتصاد حرب” مبني على الحرب بالفعل،  كما نمت تدريجيا عسكرة المجتمع والقطاع الأمني وأصبح هذا القطاع الأكثر نشاطا وربحاً. تغذية التناحرات الإثنية الطائفية العرقية أدت إلى انتشار الجماعات المسلحة، التي استبعدت من محادثات السلام التي أدت إلى “اتفاق السلام الشامل”  (CPA) بين الحكومة و “حركة تحرير شعب السودان” (SPLM)

Members of the Arrow Boys militia in Western Equatoria, South Sudan. Photo: Guy D.

Members of the Arrow Boys militia in Western Equatoria. (Photo: Guy D.)

وأصبحت هذه الجماعات المسلحة قــوة رئيسية  مزعزعة للاستقرار في فترة ما بعد “اتفاق السلام الشامل”  (CPA) في جنوب السودان. ونتيجة لخشيتها من أن تضر هذه الميليشيات بالاستفتاء على الاستقلال،  قامت “حكومة جنوب السودان” بالعفو عن آلاف من أعضاء الجيش الشعبي والآلاف من المقاتلين غير النظاميين من مجموعات الميليشيات المختلفة وقامت بدمجهم في “حركة تحرير شعب السودان” (SPLM). ونتيجة لذلك، أصبح الجيش الشعبي متضخماً  ومكلف جداً ومن الصعب إستمرار حاله على ما هو عليه، وصار  غير مهني. وقد اختفى  عنه أي مظهر أو صفة لطابعه كجيش وطني.

على الرغم من معرفة الممثلين الدوليين المنخرطين في عملية “إصلاح قطاع الأمن” SSR أن أي شيء أقل من تفكيك الجيش الشعبي وبناء جيش وطني جديد من الصفر لا يعني كثيرا. وبالرغم من معرفتهم لحقيقة الوضع إلا أنهم إستمروا في تنفيذ خططهم على أية حال واستثمروا  الموارد الطائلة في محاولة لإصلاح قطاع الأمن. وكان دافعهم لذلك هو خشــيتهم من  انتشار الميليشيات والتي قد تشكل مصدرا جديداً لانعدام الأمن. وفي النهاية، وبسبب عوامل داخلية وأخرى خارجية متعلقة “بالجيش الشعبي” فقد فشلت جهود “إصلاح قطاع الأمن” SSR في تحقيق أهدافها الرئيسية. ولهذا السبب، كان من السهل على “الجيش الشعبي” الإنشقاق إلى فصائل عندما انتشر الصراع السياسي من داخل “الحركة الشعبية” إلى الجيش. من المتصور أن وجود جيش وطني بعد إصلاحه، يكون أكثر تماسكاً حتى وإن اختلف القادة السياسيين  مع “كــير” في معالجته  لمسألة “تداول السلطة” في دولة جنوب السودان.

الحرب الأهلية التي إندلعت في شهر ديسمبر {كانون الأول} من عام  2013 ساهمت في تفتت الجيش الشعبي على طول خطوط الصدع التاريخي المتمثلة في النواحي “العرقية الإقليمية” و “الموروثة” . فقد تسببت الحرب في تجريد الجيش الشعبي من أي لون من ألوان الوطنية التي كان قد حافظ عليها خلال أيام التحرير. وقد سنحت فرصة ثانية وجيدة للإصلاح خلال فترة فاصل السلام القصير في عام 2015، وهي الفترة التي كان يمكن خلالها حل الجيش الشعبي وبناء جيش وطني جديد. ولكن عدة من العوامل ساهمت في ضياع تلك الفرصة وهي تتضمن:  – الدستور البطيء “الحكومة الانتقالية للوحدة الوطنية”، واستمرار العنف بما في ذلك استهداف المدنيين في جوبا في يوليو من عام 2016، والتفاوت في تنفيذ “إتفاق التسوية في جمهورية جنوب السودان”  (ARCSS)- وكل هذه العوامل كانت نتيجتها أنه لم يحدث أي تقدم يذكر فيما يتعلق ببناء الأساس لإصلاح قطاع الأمن.

كيف ينبغي أن يكون شــكل “قطـــاع الأمن” المُســتقر؟

أنه لم يعد من المقبول بناء هيكل أمني وطني لجنوب السودان على البنية التحتية الأمنية القائمة. فعبر تاريخ البلاد، تمتع القطاع الأمني الحالي بسمعة أقل من السمعة رائعة، فالصبغة الاثنية التي تحكم كافة التفاعلات والتعاملات بين كل من الجهات الأمنية والهياكل السياسية المحلية تقدم لنا مبرراً قوياً “لبناء قوة أمنية وطنية جديدة”  على أساس نظيف يبدأ من الصفر. فلكي يمكننا تحقيق الإستقرار والإنطلاق نحو أمن مستقر في جنوب السودان يجب إعادة البناء، وليس التجديد أو الترقيع في قطاع الأمن المتآكل. و لإعادة بناء “قطاع أمني جديد” يجب أن تمحى الآثار القديمة وتبدأ على لائحة نظيفة.

ينبغي إنشاء “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF) وإقامتها وتثبيتها بواسطة  “الاتحاد الأفريقي” وبالدعم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.  ثلاثة أرباع تكلفة إنشاء “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF)  ينبغي أن تتحملها الميزانية الوطنية في جنوب السودان، والباقي تساهم به الأطراف الدولية المتعددة.   وينبغي أن تركز مهمة “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF) على خدمات الأمن الأساسية – خدمات الشرطة والقوات المسلحة. في حالة مواجهتها لتحد أمني خطير سواء كان تحد داخلي أو خارجي فيجب ضمان توفر  الدعم ،”لقوة مسف”   – مماثل لتدخل بريطانيا في سيراليون في عام 2000، أو لنشر فرنسا لقواتها في مالي في عام 2012، أو (قوة لواء التدخل من جنوب أفريقيا وملاوي وتنزانيا) في “جمهورية الكونغو” في عام 2013. ويجب أن تشمل مقتضيات إعداد “قــوة مسف” توفير القدرة الهجومية وتضمينها في دستور تجهيز القوة. وبالرغم من ذلك يجب مراعاة ألا تمتد فترة وجود “قوة مسف” خلال فترة “إعادة بناء قوة أمنية وطنية جديدة”.

وينبغي على صانعي السياسات بدولة “جنوب السودان”، وهم المدعومين من خلال الترتيبات الثنائية، ينبغي أن يكونوا هم المسئولين عن تخطيط وتنفيذ البنية الأمنية الوطنية الجديدة. وهذا معناه أن تمتلك  القيادة الوطنية عمليات التخطيط، والتصميم، والتجنيد، والتدريب لقطاع الأمن الوطني الجديد وتسيطر على خطواتها مع ضرورة توفر قوة الدعم للجهات المحلية من خلال الترتيبات الثنائية. وبمجــرد إنشاء “القطاع الأمني الجديد”،  ينبغي أن يتسلم المهام الأمنية الأساسية من “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF). وينبغي أن يتم تسليم المهام  إلى “دوائر الأمن القومي الجديد” على مراحل  بدءاً من إعداد “القيادة الوطنية المركزية” الشاملة، ثم التسليم التدريجي للمهام والخدمات الأمنية المتعلقة بالأمن الوطني “لحهاز الأمن الوطني الجديد”

التحديات الرئيسية التي تواجه إســتقرار الأمن في جنوب السودان

أي جهد لتحقيق الاستقرار في الوضع الأمني في جنوب السودان يجب أن يتعامل مع التحديات الرئيسية التالية:

  • غياب للسلطة السياسية الشرعية. فبالإضافة إلى قيامها بدور المحرك وراء حالة “عدم الاستقرار”، وكونها عائقاً  أمام بناء هوية وطنية شاملة، فإن غياب السلطة السياسية الشرعية يحول دون تحديد اتجاه استراتيجي واتخاذ القرارات الصعبة لدفع التحول المطلوب في قطاع الأمن.
  • لا يوجد تمييز أو فصل بين كل من “الجيش الشعبي” SPLA والحزب الحاكم، أو “الحركة الشعبية” SPLM.  الأثر المترتب على هذه الأدوار الضبابية والغير واضحة هو أن يصير كل تحدي سياسي تحدياً أمنياً وأن يصبح كل تحدي أمني هو مسألة سياسية. و كنتيجة لذلك، يجب أن تكون الجهود الرامية إلى تحقيق الإستقرار الأمني  تتمثل في التدخلات التقنية والسياسية على السواء.
  • لا يوجد أي مفهوم مشترك ومتكامل للمخاطر الأمنية. دون فهم واضح وغني  لما يشكل تهديداً وطنياً،  سيصبح الجهد الرامي إلى بناء قطاع أمن وطني متماسك، ومشروع،  وفعالة،  ومعقول التكلفة حلماً بعيد المنال. كنتيجة لذلك، فلن تكون هناك لا البنية الأمنية و لا الاستراتيجية.
  • لا توجد رقابة فعالة أو مساءلة، بل بالعكس فبدلاً من فرض الرقابة المدنية على “الجهات العسكرية”، هناك في الواقع رقابة عسكرية على “المؤسسات المدنية”.  وهذا يضع الجهات الأمنية فوق القانون والمساءلة. ثقافة الإفلات من العقاب تمثل تحديا لجهود تحقيق الاستقرار.
  • توجد تهديدات أمنية متعددة الأبعاد. يمكن وصف البيئة الأمنية في جنوب السودان بأنها بيئة معقدة، وتتميز بالسيولة، وبيئة محفوفة بالمخاطر الداخلية والخارجية. فالمخاطر الداخلية تتمثل في انتشار الأسلحة وتعدد الجهات الفاعلة المسلحة، كلهـا مخاطر تهدد جهود تحقيق الاستقرار.  ويملك البلد أعداد وكميات مفرطة ولا حصر لها من الأسلحة والذخائر في أيدي القطاع الخاص. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حالة من “انعدام القانون”  وهي الحالة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تنفيذ جهود إعادة البناء.
  • تقع دولة “جنوب السودان”  ضمن جيرة مُعادية. فالدول المجاورة المتورطة في الصراع في جنوب السودان يمكن أن تزيد من تعقيد الوضع الأمني بتحفيز المفسدين. وحتى الآن لم تبرهن بعض الجهات الإقليمية  الفاعلة على أنها مهتمة وملتزمة باستقرار الأمن في جنوب السودان. وبالرغم من ذلك، فإن جهود إعادة البناء ومحاولة الوصول للإستقرار تعتمد جزئيا على مسار ما تتخذه تلك “الجهات الإقليمية الفاعلة” من إجراءات مستقبلية لتحقيق الاستقرار.

استراتيجيات لضمان استقرار الأمن في جنوب السودان

لا يمكن تحقيق “إصلاح قطاع الأمن”  دون إجراء تغيير جوهري في الظروف الاجتماعية والسياسية للبلد. ولذلك، يجب أن تكون “التدخلات” في قطاع الأمن تدخلات واقعية ومتسلسلة. ففي جنوب السودان، ينبغي أن تكون الخطوة الأولى هي “تحقيق الإستقرار الأمني”، مما يستتبع خفض العنف والتقليل من الخروج على القانون، وتعزيز الأمن العام والسلامة. حالما يتم إنجاز هذه الخطوة الأولى، سيكون الإنتقال إلى “إصلاح قطاع الأمن” أكثر قابلية للبقاء.  ينبغي على الجهات الفاعلة المحلية والدولية المعنية بالتعامل مع حالة “الإنفلات الأمني” وتحاول معالجة العجز الأمني  أن تنظر في التدخلات التالية:

تغيير المسار السياسي.  فبدلاً من تبني سياسة ترمي إلى محاولة “إصلاح قطاع الأمن” SSR ، وإستبدالها بسياسة ترمي إلى “تحقيق الاستقرار الأمني”.  لا شك في أن الهدف من وجود “تدخل” في  قطاع الأمن يهدف إلى إدخال  الإصلاحات. ومع ذلك، ففي بيئة تتسم بالفوضى السياسية وهي البيئة المحفوفة بالتحديات، ويحتمل أن تكون بيئــة “غير مستجيبة” لمحاولة “إصلاح قطاع الأمن”، فإن الاحتياجات الأمنية الأساسية والفورية  لا يمكن أن تنتظر. استقرار الأمن مطلوب للحد من العنف وتعزيز السلامة العامة في الأجل القصير. للقيام بذلك، يجب تحييد جميع الأطراف السياسية الفاعلة بتسريح ونزع سلاح جميع المجموعات المسلحة، بما في ذلك الجيش الشعبي. و بمجرد أن تصبح “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF)  جاهزة  للعمل، يجب أن تكون الأولوية الفورية هي تسريح كافة الجماعات المسلحة. وستتولى “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF) الولاية والمسئولية الشاملة لتوفير الأمن.

نشر “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF)  لتوفير الأمن بصفة مؤقتة. تحييد جميع الجهات المسلحة الفاعلة بما في ذلك الجيش الشعبي ينبغي أن يسبقه نشر “القوة المتعددة الجنسيات للإستقرار الأمني” (MSSF)  لتوفير وإدارة الاحتياجات الأمنية للبلاد. يمكن أن تأخذ أفراد “قوة مسف” من خلال تحويل أفـــراد  “قوة الحماية الإقليمية”. ويمكن تجــ،يد أعضاء إضافيين من عناصر بعثة “الأمم المتحدة” في جنوب السودان.

إجراء استعراض أمن استراتيجي، وتسهيل طتطوير استراتيجية للأمن القومي”.   ينبغي تفعيل الأحكام ذات الصلة من “إتفاق التسوية في جمهورية جنوب السودان”  (ARCSS) – أركس، وتوفير الدعم للجهات الوطنية الفاعلة وتسهيل تطوير البنية الأمنية وإعداد استراتيجية الأمن القومي لجنوب السودان على أن يكون محور عملها هو “توفير الأمن البشــري”.  حالما يتم القضاء على التهديدات الأمنية، ينبغي أن تهدف جهود الإصلاح إلى إنشاء قطاع أمن وطني شامل، ومهني، وقادر على العمل بشفافية، وخاضع للمساءلة والرقابة المدنية.

يجب إنشأ “لجنة أمن وطني” شامل. هذه اللجنة لها ســلطة  الإشراف على تجنيد الجيش الوطني الجديد لجنوب السودان، وضمان أن يصبح الجيش هو الممثل للتنوع في البلد على جميع المستويات، ومواصلة رصد والإبلاغ عن التقدم المحرز إلى الهيئة التشريعية.

الإســــــتنتاج

نظراً لأن الجهات الأمنية الحالية تتحمل اللوم عن الحالة الأمنية الراهنة، فيجب أن تشمل جهود الاستقرار تسريحهم، وتفكيك البنية التحتية الأمنية القائمة والميليشيات.  يجب بناء  قوة مسلحة وطنية جديدة من الألف إلى الياء. هذه العملية ينبغي أن تشمل “حــوار وطـــني” حول استراتيجية الأمن ويجب ضمان وجود رقابة فعالة.

الدكتور/ ريمـيمبر  ميامينجي باحث مع “مرصد حقوق الإنسان جنوب السودان”.

Notes

  1. Organisation for Economic Co-Operation and Development, “Security System Reform and Governance,DAC Guidelines and Reference Series (Paris: OECD, 2005).
  2. UK Stabilisation Unit, “Security Sector Stabilisation,” Stabilisation Issues Note (March 2014), 5.